محمود فوزي السيد يكتب: تلميذ سيد درويش الذي لم يره

كاتب صحفي

هو مرتب رغم الحرية.. منضبط رغم رفض القيود.. تلميذ الكبار وأستاذ الباحثين عن التمرد الموسيقى.. هو صوت الحلم فى ضجيج الواقع.. هو زياد الرحبانى التلميذ النجيب «الشاطر» فى مدرسة سيد درويش الموسيقية رغم عدم اللقاء؛ زياد المولود من رحم الإبداع الفيروزى للست فيروز والموسيقار عاصى الرحبانى؛ ابن الرحابنة وحامل مسئولية الاسم العريق، كتب اليوم النوتة الأخيرة فى مقطوعته الموسيقية التى ربما تُعد هى الأبرز فى عالمنا العربى خلال الخمسين عاماً الماضية؛ رحل ولن يغيب، فهذا قدر المبدعين، لا تغيب أرواحهم بغياب الجسد.

رغم تاريخه الموسيقى الطويل، الذى بدأ من عمر 15 عاماً توقيت خروج أول ألحانه «سألونى الناس» لوالدته فيروز إلى النور؛ إلا أن تأثر زياد الرحبانى بعظماء الموسيقى المصرية كان جلياً فى أعماله منذ البدايات؛ كان الشاب الصغير عاشقاً للتجربة «الدرويشية» فتأثر بخالد الذكر سيد درويش من خلال الاستماع لأغنياته التى كانت تطل عليه يومياً عبر إذاعة «صوت العرب من القاهرة»؛ أُعجب الشاب الصغير بجرأة وحرية سيد درويش فى التعبير عن وطنه وأوجاعه بكلمات من قلب الشارع والحارة المصرية؛ أبهرته المفردات المختلفة فى تلك الأغنيات؛ قال: ده واحد لحن «كوكو كوكو» والعالم كله غناها وراه.. فيروز بكل جدية غنت كوكو كوكو؛ مشيراً إلى المقطع الشهير «الديك بيدن كوكو كوكو فى الفجرية»؛ وكطفل صغير فى مرحلة التكوين الفكرى والموسيقى وجد نفسه يتشبع بتلك التجربة الموسيقية الفريدة؛ وعندما حان الوقت ليُخرج أول إبداعاته الموسيقية، وكان وقتها فى عمر الـ15 عاماً لحَّن أغنية لمطرب اسمه مروان محفوظ؛ لكن عمه منصور الرحبانى عندما استمع إلى اللحن طلب منه عدم التصرف فيه لأنه قرر كتابة كلمات أقرب إلى الرثاء لشقيقه المتوفى حديثاً عاصى الرحبانى والد زياد؛ فكتب كلمات أغنية «سألونى الناس» على لحن زياد ووزَّعها إلياس الرحبانى وغنَّتها الست فيروز؛ أخرج زياد اللحن على الطريقة المصرية التى تشبَّع بها من سيد درويش؛ هو قال ذلك: اللحن «فيه شوية مصرى».. أى أن اللحن خرج «درويشى الهوى» بسبب تأثره الكبير بسيد درويش، والذى لم يتوقف عند هذا الحد، إنما ظل زياد الرحبانى طوال عمره محافظاً على تلك المساحة الخاصة بينه وبين مدرسة سيد درويش، حيث حرص فى معظم حفلاته على غناء أغنية «أهو ده اللى صار» إحدى روائع سيد درويش الخالدة؛ وهى الأغنية نفسها التى غنتها فيروز فى عدة مناسبات؛ كما وصف غناء فيروز لرائعة «زورونى كل سنة مرة» بأنها من أجمل من غنى الأغنية فى العالم رغم أن مئات المطربين اعتادوا على غنائها.

من هنا جاءت تلك العلاقة الخاصة بين تلميذ موهوب وأستاذ كبير رغم عدم اللقاء يوماً؛ وهو ما يُبرز موهبة التلميذ القادر على الاستيعاب منذ البداية، ثم القدرة على دمج ما تعلمه «سماعياً» بأشكال موسيقية أخرى ليصنع من تلك الخلطة السحرية شخصيته الموسيقية المتفردة؛ فقد استطاع زياد الرحبانى، طوال سنوات عمره، التطوير فى شكل الموسيقى الشرقية ودمجها بأشكال موسيقية أخرى غربية مثل الجاز والبلوز والروك ليخرج بذلك من الإطار التقليدى للموسيقى الشرقية ويؤسس مدرسته الخاصة القائمة على فلسفة موسيقية حملت توقيعه؛ كل ذلك دون الإخلال، فى لحظة من اللحظات، بالموسيقى الشرقية ومقاماتها والحفاظ على هويتها وخصوصيتها فى أعماله، سواء الموسيقية الغنائية أو المسرحية، باعتباره أحد رواد المسرح الغنائى فى العالم العربى بالكثير من المسرحيات المكتوبة فى تاريخ المسرح الغنائى العربى مثل «نزل السرور» و«فيلم أمريكى طويل» و«بالنسبة لبكرا شو» و«شى فاشل»؛ مع حرصه على صناعة تاريخ طويل من الأغانى التى بدأها منذ الطفولة، خاصة مع صوت والدته الست فيروز بأغنيات منها «سألونى الناس» و«كيفك انت» و«عندى ثقة فيك» و«رجعت الشتوية» و«حبيتك تنسيت النوم» التى يعتبرها أجمل ألحانه التى قدَّمها لها.. كل تلك الأعمال مع مواقف سياسية بارزة وفلسفة خاصة فى الحياة جعلته يقرر عدم الاكتفاء بالموسيقى فقط لتوصيل رسالته الإنسانية، ليمتد الأمر به إلى الكتابة السياسية الساخرة فى عدد من الصحف والمجلات للتعبير عن آرائه السياسية المعارضة من خلال كتابات ساخرة تناقش الأوضاع فى وطنه؛ رغم نصيحة البعض له - ومنهم والدته الست فيروز - أن السياسة سوف تجعله يخسر الكثير وعليه التركيز فقط على مشروعه الموسيقى، وكان رده دائماً، كما صرح فى أحد لقاءاته التليفزيونية، حول سؤال: السياسة خسرتك كتير؟.. فقال: ما يهمنى.

هذا الفكر الفلسفى فى الحياة لرجل صاحب موقف وكلمة حق؛ مصحوباً بمشروع موسيقى متفرد جعل من الغياب مجرد لحظة عابرة لأن أثر ما قدَّم زياد الرحبانى موسيقياً فى رحلته لا يمكن أن يُنسى بالتقادم؛ فأصحاب التجربة ذات الأثر لا يرحلون بغياب الجسد.