«الحريف الصغير».. والد «طفل قطار المنيا» يروي كواليس رحلة ابنه إلى ملاعب القاهرة

كتب: أمنية سعيد

«الحريف الصغير».. والد «طفل قطار المنيا» يروي كواليس رحلة ابنه إلى ملاعب القاهرة

«الحريف الصغير».. والد «طفل قطار المنيا» يروي كواليس رحلة ابنه إلى ملاعب القاهرة

في مشهدٍ يجسّد الصمود وتحدي الظروف، تبرز قصة حسن أحمد حسن، الفتى اليافع الذي أصبح وجهًا مألوفًا على متن قطارات الصعيد المتجهة إلى القاهرة، ليحمل معه آمال عائلة بأكملها، حسن، ابن الثالثة عشرة من مواليد 2012، والذي يدرس في الصف الأول الإعدادي، لم يكن يعلم أن رحلاته اليومية الشاقة من قريته بالمنيا إلى القاهرة للتدريب، ستجعله بين عشية وضحاها محور اهتمام الرأي العام، بعد أن انتشرت صورته وهو يرتدي ملابسه الرياضية داخل قطار عادي، تعكس معاناة السفر اليومي.

من المقاولون إلى البنك الأهلي

أحمد حسن والد طفل قطار المنيا «حسن»، الذي يعمل في دكان لبيع الأعلاف، يحكي في حديثه لـ«الوطن»، بلهجة تحمل مزيجًا من الفخر وسنوات من المعانات كواليس اتصال تليفوني فوجئ به فور استيقاظه من نومه من شخص يُدعى محمد عبدالحميد يخبره أنهم تواصلوا مع اللواء أشرف نصار، رئيس نادي البنك الأهلي، وقد وفروا لحسن سكنًا ووجبات غذائية بعدما انتشرت صورته كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويكمل الأب روايته عن بداية مسيرة «حسن» الكروية التي بدأت في الخامسة من عمره، ودخوله عالم الأندية باختبارات نادي المقاولون العرب، حيث قضى ثلاث سنوات: «حصل اختلاف في وجهات النظر مع المدربين وقتها ومكانوش مقتنعين بيه جسمانيًا، لكن أنا كنت مقتنع أنها أرزاق وأن ربنا مابيسبش حد ووقتها قولت له اوعى تفتكر أنّ تعبك وشقاك ده ربنا هيضيعه واعرف أن ربنا شايل لك حاجة أحسن».

لم تطل فترة التوقف كثيرًا، فبعد المقاولون، كانت أولى اختبارات «حسن» في نادي البنك الأهلي، وبعد ثلاثة اختبارات شاقة، اقتنع به الكابتن بدر رجب، رئيس قطاع الناشئين في النادي، الذي يسعى لإحداث طفرة في النادي بحسب وصف أحمد حسن، وقرر ضمّ حسن ضمن قائمة الـ18 لاعبًا الذين استقر عليهم ضمن باقي اللاعبين.

حسن أحمد حسن

30 جنيهًا وقطار الشمس الحارقة

يروي الأب تفاصيل رحلات «حسن» اليومية الشاقة من المنيا إلى القاهرة، وتكلفة السوبر جيت أو القطار الـ VIP باهظة الثمن والتي لا تتناسب مع أجرته اليومية، ما اضطره إلى اللجوء لاستقلال أرخص وسيلة مواصلات، وهو القطار العادي، بتكلفة 30 جنيهًا للذهاب ومثلها للإياب: «القطر ده ركوبه لوحده معاناة والشمس بتكون ضاربة في الشباك طول السفر وبيفضل واقف طول الطريق، ولما كنت أروح أحجز له التذكرة كان يقولي والنبي احجز لي مكان بعيد عن الشمس».

لم تتوقف جهود الأب عند توفير المواصلات، بل امتدت لتشمل كل تفاصيل حياة ابنه، فكان يحاول التوفيق بين دراسة حسن وكرة القدم، فيصطحب معه كتابًا ليذاكر له، ويوفر له بعض الدروس الخصوصية، فكان يصطحبه للسفر في الصفين الرابع والخامس الابتدائي، ومن الصف السادس الابتدائي بدأ «حسن» يسافر بمفرده: «ساعات كنت أضحي بنفسي وأسفَّره في سوبر جيت في وقت كانت فيه التذكرة بـ120 جنيهًا يوميًا رايح جاي».

ويكشف والد حسن عن تضحيات مؤثرة لم يدخرها في سبيل ابنه، إذ كان يضع له الطعام في الحقيبة لأنه لم يكن بمقدوره تحمل نفقات شراء الطعام من الخارج، فكان يُحضر له «كبد وقوانص وربع دجاجة» للغداء، كما يعد له فطورًا مكونًا من بيضتين ومشروب حليب بالموز، وأحيانًا كان الأب يؤجل حاجات إخوته الأربعة (حمزة ومحمد وتقى وعبدالله) توفيرًا لابنه الأكبر حسن، يقول الأب: «لما كنت بسافر معاه كنت ساعات أجيب ربع فرخة ياكلها قبل التمرين وأكل أنا السلطة والطحينة وأعمل نفسي باكل عشان هو ياكل، ولما يروح التمرين أطلع أنا أجيب فول وطعمية، فـ كنت بعمل أي حاجة عشان يوصل لحلمه»، حتى حذاء حسن الذي يلعب به، يتم خياطته مرة واثنتين وثلاث وأربع مرات ليلعب به، وذلك على قدر إمكانيات الأب الذي يبذل قصارى جهده لتوفير الأفضل.

ويصف الأب لحظة اكتشافه لانتشار قصة ابنه: «أنا مرة واحدة لقيت نفسي تريند وأنا أصلا على باب الله ماليش في الإنترنت، وكل اللي حاصل معايا النهارده ده حاسس إني بحلم»، مُضيفًا أن العديد من الشخصيات العامة تواصلت معه، منهم العميد أحمد حسن، وعضو مجلس شعب من دائرة السلام، لإبداء اهتمامهم بحسن.

أما «حسن»، الذي ضاع هاتفه الأسبوع الماضي في المحطة، مما اضطره لاستخدام هاتف والدته للتواصل، يتخذ من محمد صلاح وعمر مرموش وزيزو قدوة له في كرة القدم، ويحب طريقة لعب فينيسيوس جونيور لاعب ريال مدريد، ويلعب في مركز الجناح الأيسر، لكن طموح الأب لا يقتصر على كرة القدم فقط، إلا أنّه يحلم بأن يلقى نجله اهتمامًا تعليميًا وكرويًا حتى يتفوق في التعليم والدراسة وليس في المجال الرياضي فقط، يقول الأب: «أنا متأكد أن ربنا هيكرمه وعمري ما أنسى خير ربنا عليا وعليه، أنا ساعات مكانش بيبقى معايا حق السفر وربنا يبعتلي من حيث لا أدري وساعتها كنت بقول الواد ده ليه حاجة عند ربنا».