رسائل «المكرونة» من المعصرة إلى السفارات
يبدو أن الصفعة مدوية، وأن آثارها ما زالت تصم آذانهم، فالضربة التى نزلت على وجوههم كعاصفة قبل أيام، بالكشف عن تحركات «حسم» وقياداتها فى الخارج وأذرعها فى الداخل، أخلت توازنهم، فأخرجوا تلك السيناريوهات الركيكة، والتى فضحها البسطاء قبل المتخصصين، ولم تبذل «الداخلية» جهداً فى نفيها، بل ولم تبذل الجهد نفسه فى كشف الفاعلين واقتيادهم إلى حيث اتهام طويل المدى سيدفعون ثمنه من أعمارهم، ولن نتعجب إذا انطلقت حملات ودعوات الإفراج عنهم، إما بسبب إضراب أمهاتهم، أو بسبب أننا نملك قلوباً رحيمة وأننا أولى بالعفو والصفح وغيرها من مقومات الدولة «الديمقراطية» حسب ترجمتهم للديمقراطية وقراءتهم لها.. وليس أصعب من الاتهام الذى سيوجه إلى صناع فيديو «المعصرة»، ولا أدرى هل التسمية مقصودة أم جاءت محض صدفة، ولا أعرف أى معصرة يقصدون، المنطقة التى نسبوا إليها الفيديو المزيف، أم المعصرة التى سيدخلونها بفضل فعلتهم، ولا أدرى أى اتهام سيحاسبون عليه، الكذب والتضليل والادعاء، أم الخيال الفقير وثقل الظل وتقديم كوميديا سوداء لم تعد تضحك أحداً وليس لها جمهور؟
أداء باهت وتمثيل ضعيف، ديكور لا يعبر عن شىء وإضاءة لا يوجد لها روح من الواقع، عبارات مبتورة وسيناريو غير محبوك، أمور وهنات لا تخطئها عين فى فيديو المعصرة، لا شىء واضح سوى ذلك الصوت المرتعش، الذى حمل عبارات التهديد لمن يقف خلف باب الزنزانة.. لماذا تفعل هذا يا عزيزى، أليس أولى لك أن تضع روحك فى زجاجة وتعبئها بالمولوتوف ثم تقذفها فى اتجاه دولة الاحتلال، بدلاً من أن تراسلهم بالمكرونة والغلال!، وبدلاً من أن تقف فى صف الداعمين للكيان المجرم، بأن تهاجم الدولة الوحيدة التى أثبتت أن الشرف له جنسية، وأن «مصرى شريف» ليست صفة، لكنها تعريف وأصل ثابت وعرق من تلك التى تحمل الدماء وتضخها للقلب فينبض وللعقل فيرفض.
فى وقت واحد، ومن اتجاهات مختلفة توالت السهام على مصر، كل من يحمل سهماً قذفه، وبالأحرى جميعهم نفذ الأوامر التى صدرت بعلو الصوت «اضررررب»، لكنها لم تكن ضربات منظمة، عابها التلويش والتلطيش، فطار غالبيتها فى الهواء طلقات فشنك أخطأت الهدف، لأنها بلا هدف من الأساس، وبقيت القِلة الباقية تطير فى الهواء باحثة عن جسد ترشق فيه، لكن الأجساد مالت إلى الوراء من فرط القهقهة والضحك على أفعالهم، فلا أصابتها السهام ولا شعرت بها من الأساس، بل أزاحتها عن وجهها كمن يزيح ذباب الصيف اللزج.
هذه زجاجات حملت الغلال والقمح والمكرونة والأرز، وأغلقت بعناية، زجاجات كالتى كانت تحمل رسائل البحر، ليست رسائل الرائع داوود عبدالسيد، لكنها تشبهها، فجأة تراصت الزجاجات وظهرت الفيديوهات التى حملت إطلاقهم لها عبر البحر، وبتدخل الذكاء الاصطناعى استقبلها الفلسطينيون على الجانب الآخر وصارت طعامهم، وبالذكاء الاصطناعى نفسه استقبلتها قوات الاحتلال على الجانب الآخر وصارت طعاماً للأسماك، وفى الحقيقة، هى صورة مصنوعة فى كافة تفاصيلها، لا يأتيها الحق من اتجاه، بل يحدها الباطل والكذب والتزييف من الجوانب الأربعة، حتى صارت كجزيرة من وهم لا تصلح لأكثر من «الفضاء الإلكترونى».
وهذه دعوات.. انطلقت من كل حدب وصوب، تأمرهم بحصار السفارات والهتاف بعلو أصواتهم ضد مصر، المتآمرة، التى فضت حصار غزة أكثر من مرة، التى خاضت مفاوضات صعبة، التى وقفت فى وجه الصلف الأمريكى والغباء الإسرائيلى، التى قايضت ولوحت بالمعاهدة، التى دفعت الثمن من دخل قومى ومعونة واستقرار وسياحة، التى غمست الألم والوجع مع كل نفس، التى لم تحرم الطعام لكنها بلعته بغصة لم تزل كامنة فى الحلق.. كيف نأكل وأشقاؤنا جوعى، كيف نعيش وهم صرعى، كيف نصمت وهم بدمائهم وأرواحهم يتبرعون؟
ثم يسألون وفى دهشة لمَ نحن متعبون؟
هل عرفت يوماً معنى الأمن والأمان.. وهل فقدت أحدهما؟.. ترى أيهما أصعب فى الفقد، أن تعيش بلا أمن أم تعيش بلا أمان؟
فى الحقيقة أننا عشنا أعمارنا فى نعيم الجهل، نجهل الفرق بين الأمن والأمان، نلخص الأمن فى تعنت الضابط، ونغط فى الأمان الذى يجعلنا كأصحاب الأيدى الناعمة التى لا تقوى على المشقة ولا تصمد فى جلد.. نحن فى أصعب اختبار على أجيال ما بعد حرب أكتوبر بالتحديد، الأجيال التى عاشت الرخاء ولا تعلم عن الحرب سوى منديل ماجدة الصباحى على شاطئ القناة وهى ترقص لتلهى جنود الاحتلال عن خطة العبور فى «العمر لحظة».. أجيال تحيا ولديها يقين دائم أن أحدهم سيظهر كبطل مغوار يتدخل وينقذهم، أجيال ترى الأمن وتتحقق منه، لكنها لم تعد تعرف معنى الأمان.. فهل إليه من سبيل؟