إنه سحر الموسيقى وصدق الكلمة و«عائلة الرحبانى» التى أعيشها منذ كان عمرى 14 سنة واشتريت كتاباً يشرح اللهجة اللبنانية لأفهم أغانى جارة القمر «فيروز».. وزياد هو كل «إرث مدرسة الرحبانية»، كان كاتباً وملحناً وموسيقياً ومسرحياً عاشقاً للفن.
أضحك الجمهور كثيراً بنقد ساخر، لكنه حاكى به الواقع اللبنانى المرير الذى يعانى من الانقسامات الطائفية والعصبيات والتقاليد.. ولم ينجُ من انتقاداته، لا سيما فى سنوات تألقه الأولى، حتى فن والديه التقليدى والفولكلورى.. إنه أحد أبرز المجددين فى الأغنية اللبنانية والمسرح السياسى الساخر: (أنا مش كافر بس الجوع كافر.. أنا مش كافر بس المرض كافر.. أنا مش كافر بس الفقر كافر والذلّ كافر.. أنا مش كافر لكن شو بعملّك إذا اجتمعوا فيّى كل الإشيا الكافرين؟؟)، وهكذا كان يتعامل مع نوبات الاكتئاب حين تزوره بكلمات تعبر عن المقهورين والمهمشين وتنتقد النظام بشكل مهذب.
مزج زياد بين الجاز والموسيقى الشرقية، وقدَّم أعمالاً مختلفة من حيث التوزيع والأسلوب.. وقبل الموسيقى، أو معها، كان زياد الرحبانى شاعراً، من أوائل أعماله ديوان بعنوان «صديقى الله»، صدر 1971، ولكن قصائده، كما يذكر فى المقدمة، كُتبت بين عامَى 1967 و1968، يعنى قبل أن يتجاوز الثانية عشرة!
الديوان عبارة عن قصيدة واحدة طويلة، تتحدث على لسان طفل يحتفل بعيد ميلاده السادس، ويسأل تلك الأسئلة الوجودية التى ظلت تشغل زياد الرحبانى لما بقى من عمره عن الخير والعدل والحرية، ورغم مفرداته وتركيباته اللغوية البسيطة إلا أنه يحمل مشاعر وأفكاراً فى غاية العمق.. وظلت البساطة فى التعبير، مع العمق فى التفكير، هما الدرب الذى اختاره زياد لتقديم فنه.
كان الوضع العام فى لبنان والعالم العربى ينتقل من الأسوأ للأكثر سوءاً، إلى جانب حياته الشخصية وعدم الاستقرار العائلى الذى سرق جزءاً من طاقته النفسية لكنه صمد إلى النهاية؟. وبحسب تصريحاته (زياد رحبانى) فإن محاولة فهم عقل المرأة تحدٍّ مستحيل، مشيراً إلى أن أغلب تجاربه انتهت بإحباط أو حيرة.. واشتكى زياد من شعوره الدائم بأن النساء لا ينظرن إليه كإنسان، بل كـ«فنان» أو «شخص مشهور»، وهو ما كان يضفى إحساساً فى داخله بالعزلة رغم علاقاته العاطفية: (كنت دايماً بلوم نفسى.. يمكن العيب عندى.. لكن مع الوقت فهمت إن أصل حكاية الست تلبكات.. تلبكات صحية وتلبكات هرمونية وتلبكات فى التفكير كمان).. ولولا أنه لم يعد بيننا لرددت عليه!
كل ما مرَّ به زياد من تعاسة وألم تحوَّل إلى إبداع: «تمرق على أمرق.. ما بتمرق ما تمرق من أغنية «مش فارقة معاى».. شو هالحب اللى طالع لى فيه، شو عالقلب اللى بس نسمع فيه.. بتبلش حب وما بتكفيه» من أغنية «تنذكر ما تنعاد» وغيرها الكثير.
العلاقة الفنية بين فيروز ونجلها زياد الرحبانى قديمة، بدأت من أغنية «سألونى الناس» التى لحنها وهو فى عمر 14 عاماً.. وكأن موسيقى زياد الرحبانى منحت فيروز حياة مختلفة أكثر حيوية.. وقدَّم زياد أعمالاً غنائية لفيروز، أبرزها: «أنا عندى حنين، البوسطة، عندى ثقة فيك، بعتلك، ضاق خلقى، سلملى عليه، حبو بعضن، يا جبل الشيخ» وغيرها.
لكن دخل الخلاف بينهما، مما تسبَّب فى قطيعتهما لبعضهما لثلاث سنوات، رفضت فيروز خلالها محاولات زياد للصلح بينهما ورفضت تدخل العديد من السياسيين لتهدئة الأمور(!!).. وفيما بعد كشف «زياد» أن السبب هو مواقفها السياسية، ثم عادت العلاقة كما كانت.. وتُعتبر أغنية «البوسطة» تغيراً جذرياً فى شخصية فيروز من صُنع زياد منحت صوتها شباباً وحياة: (موعود بعيونِك أنا موعود.. وشو قطعت كرمالُن ضَيَع وجرود.. انتِ عيونِك سود.. ومَنّك عارفة شو بيعملوا فيّى العيون السّود).
لقد ماتت اللهفة ومات الشغف برحيل زياد عنا، ذلك التوقع والانتظار للحظة تمرد أو جنون يرد إلينا العقل، وتلك الأمانى والوعود الساكنة فى أصابع البيانو فارقت الحياة وبقيت وصية العبقرى زياد رحبانى: (يللى بيصلّى الأحد ويللى بيصلى الجمعة.. وقاعد يفلح فينا على طول الجمعة/ هوّ يللى ديّن قال وأنا يللى كافر عال.. راجعوا الكتب السماوية راجعوا كلام القادر).
لقد كان زياد رحبانى هو «ضمير لبنان» ولهذا سوف يبقى حياً.