دار الكتب المصرية.. ذاكرة الأمة وقوتها الناعمة
تعد دار الكتب أحد أذرع القوة الناعمة المصرية بامتياز، لأنها تصدر للعالم صورة لمصر كدولة ذات عمق حضاري وتاريخي، تؤمن بالعلم والمعرفة، وتحترم إرثها الثقافي. وقد استفاد الباحثون الأجانب من كنوزها، وأُدرجت بعض مخطوطاتها النادرة ضمن سجلات التراث العالمي. وهي بهذا تسهم في بناء صورة ذهنية حضارية عن مصر ، وتقدم وجه مصر العِلمي والثقافي .
إن دار الكتب المصرية ليست مجرد مؤسسة، بل معبد للمعرفة، ومرآة لذاكرة الأمة، وواحدة من أقوى أدوات التأثير الثقافي التي تملكها مصر. ولعل أعظم ما حققته هو أنها علمتنا أن الدول لا تُقاس فقط بعدد مصانعها وجيوشها، بل بعدد ما تحفظه من كتب، وما تملكه من قدرة على صون ذاكرتها وحكاياتها.
تأسست الدار عام 1870 في عهد الخديوي إسماعيل . كانت لدى الخديوي إسماعيل (1863- 1879) رغبةٌ في إنشاء «مكتبة عمومية»؛ لجمع شتات الكتب من المساجد وخزائن الأوقاف لحفظها وصيانتها من التلف؛ اقترح علي مبارك على الخديوي إسماعيل إنشاء دار كتب على نمط المكتبة الوطنية في باريس؛ حيث كان قد أعجب بها حينما أُرسل ضمن البعثة التي أُوفدت لدراسة العلوم العسكرية سنة 1844. أصدر الخديوي إسماعيل الأمر العالي رقم 66 بتأسيس دار الكتب (كانت تسمى الكتبخانة الخديوية المصرية) في (23 مارس 1870م) في سراي الأمير مصطفى فاضل باشا (شقيق الخديوي إسماعيل) في درب الجماميز . وجُعل لها ناظر وخدمة، وصار لها مفهرس من علماء الأزهر مسئول عن الكتب العربية، وآخر مسئول عن الكتب التركية، ونُظمت لها لائحة وضعت أسس الانتفاع بها. وكانت النواة الأولى لمقتنيات الكتب خانة الخديوية نحو ثلاثين ألف مجلد، شملت كتب ومخطوطات نفيسة، جُمعت من المساجد والأضرحة والتكايا ومكتبتي نظارتي الأشغال والمدارس . أُطلقت عدة مسميات رسمية على دار الكتب وتغير اسمها على مر الزمن فكان اسمها عند نشأتها سنة 1870 «الكتب خانة الخديوية»، ثم «دار الكتب الخديوية» (1892- 1914)، ثم «دار الكتب السلطانية» (1914– 1922)، ثم «دار الكتب الملكية» (1922- 1927)، ثم دار الكتب المصرية (1927- 1966)، ثم «دار الكتب والوثائق القومية» (1966- 1971)، ثم «الهيئة المصرية العامة للكتاب» (1971- 1993)، وأخيراً أطلق عليها «الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية» منذ (1993وحتى الآن).
تنقلت الدار من مكان إلى آخر حسب قدرة المكان على استيعاب حجم الكتب الموجودة وتنظيم التعامل مع المخطوطات وغيرها . وفي عام 1899 وضع الخديوي عباس حلمي الثاني حجر الأساس لمبنى يجمع بين الكتبخانة الخديوية ودار الآثار العربية – متحف الفن الإسلامي – في ميدان باب الخلق , وافتتح المبنى في 5 مارس 1904 , وفتحت المكتبة أبوابها للجمهور فساهمت بدور كبير في نمو حركة الترجمة ونشر النشاط الثقافي . وفي عام 1959 طلب ثروت عكاشة وزير الثقافة تمويل المشروع الجديد لدار الكتب على كورنيش النيل وبدأ منذ 1971 نقل الموظفين والكتب والمخطوطات تدريجيا للمبنى الجديد .
توالى على رئاسة دار الكتب العديد من الأسماء اللامعة في مجال الثقافة والأدب , كان أول رئيس للدار «لودفيك شتيرن» , وتبادل المصريون والأجانب رئاسة الدار في تلك الفترة الأولى فتولى أول مصري رئاستها وهو علي محمد الببلاوي , وجاء أحمد لطفي السيد في الفترة من 1915 وحتى 1918 ومنذ ذلك الوقت تولى المصريون الرئاسة . جاء توفيق الحكيم رئيسا للدار في الفترة من 1951 وحتى 1956 واهتم طه حسين بالدار اهتماما كبيرا وقت أن كان وزيرا للمعارف في بدايات الخمسينات . واللافت أن صحفيين اثنيني توليا رئاسة الدار هما سمير غريب وحلمي النمنم .
لعبت دار الكتب دورًا فاعلًا في تشكيل الوعي الثقافي المصري والعربي، وتعد أهم مؤسسة مصرية حفظت الذاكرة الوطنية مثل دار الكتب. فقد جمعت بين جنباتها صحف العصور المختلفة منذ صدور الوقائع المصرية، ووثائق الحملة الفرنسية، وسجلات المحاكم الشرعية، ومخطوطات الأزهر وكنائس مصر، وحتى يوميات السياسيين المصريين. وقد شكلت هذه المجموعة العملاقة، التي تضم أكثر من 3 ملايين وثيقة ومخطوطة، أرشيفًا حيًّا للتاريخ المصري.
بعد مرور 155 عامًا على إنشائها، ما زالت دار الكتب المصرية صرحًا ثقافيًا شامخًا، وهي اليوم جزء لا يتجزأ من مؤسسات القوة الناعمة المصرية .