إعادة الاعتبار لـ«حل الدولتين»

وانعقد أخيراً المؤتمر الدولى الذى استضافته الجمعية العامة للأمم المتحدة فى نيويورك يومى 28، و29 يوليو، برئاسة السعودية وفرنسا، يشاركهما حشد عربى ودولى «من أجل التسوية السلمية لقضية فلسطين وتنفيذ حل الدولتين»، وهو العنوان أو الفكرة الرئيسية التى توافق عليها المجتمعون، قبل أن يطوروا اتفاقهم إلى خارطة طريق، صدرت كوثيقة ختامية عن المؤتمر.

وقد يقول سائل: «وما جدوى مؤتمر نيويورك، وغزة على حالها؟، وما قيمة الجهد الدبلوماسى طالما لا تتوقف الحرب ولا تكف إسرائيل يدها عن الوحشية والإبادة والتجويع؟».

وهى أسئلة مشروعة، ربما تكون سمعتها وسمعت غيرها من الأسئلة (الصعبة) التى تشغل الشارع المصرى والعربى، وقبلهما الشارع الفلسطينى الذى أمسى مكتظاً بالجوعى واللاجئين الذين يطاردهم رصاص جيش الاحتلال، حتى عند منافذ توزيع المساعدات الغذائية، التى بدأت تتدفق فى الأيام الأخيرة عبر الحدود المصرية من منفذ كرم أبوسالم إلى داخل القطاع.

الأمر لا يستدعى جهداً للإجابة، لأن الأصعب من الأسئلة هو حالنا كعرب، والذى أوصلنا لأن نجاهد فى حرب غزة بـ«أضعف الإيمان»، ونخوض معاركنا دبلوماسياً، بعد أن اختبرنا معارك السلاح وأوصلتنا إلى الاستسلام للسلام، بعد أن أدركنا الحقيقة، وهى أن معركتنا مع إسرائيل تكون فعلياً ضد الولايات المتحدة الأمريكية، الراعى الرسمى لدولة الاحتلال، وهى معركة غير متكافئة، مصيرها الهزيمة.

وقد اعتمدت مصر السلام كخيار استراتيجى، سعت إليه بعد النصر العظيم الذى تحقّق على جيش الاحتلال فى أكتوبر 1973، حينها أطلق الرئيس السادات عبارته الشهيرة «إن 99% من أوراق اللعبة (التسوية فى الشرق الأوسط) بيد أمريكا»، وقد لحق العرب قطار السلام متأخرين، وهو ما فاقم من خسائر الأراضى العربية، وقد امتد المشوار من أوسلو 1993، وصولاً إلى «مؤتمر نيويورك»، مؤتمرنا الذى كانت مرجعيته الأساسية مبادرة السلام العربية، التى أقرّتها قمة بيروت العربية سنة 2002، والتى مثّلت تحولاً نوعياً فى الاستراتيجية العربية لإدارة الصراع مع إسرائيل.

وعودة للإجابة عن السؤال أو الأسئلة، التى قد يختصرها أن هذا المؤتمر انعقد فى وقت صعب للغاية، بدا فيه «حل الدولتين» حلماً قد تبدد وأصبح سراباً بفعل ما قامت به إسرائيل، ليس فقط خلال العامين الأخيرين بعد طوفان الأقصى، ولكن منذ أن اغتيل رئيس الوزراء الإسرائيلى إسحق رابين سنة 1995، وسطوع نجم بنيامين نتنياهو، ووصوله إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية لأول مرة فى سنة 1996.

منذ ذلك الحين، وضع نتنياهو خطة جهنمية للتنصّل من السلام، وغسل يديه من أى التزام لبلاده فى تنفيذ بنود اتفاق السلام الموقّع مع الفلسطينيين، وبدأ خطوات القضاء على «السلام» تدريجياً، كى لا يصطدم بالإدارات الأمريكية المتتالية. واشتملت خطة التخلص من السلام على دور مهم لحركة حماس، التى هى بالأساس صنيعة إسرائيلية، جماعة وظيفية ورثت دور (المركوب) من الجماعة الأم، الإخوان المسلمين، وقد تم استخدام حماس لتحقيق ما فاق خيال نتنياهو وكل شركائه من الوزراء المتطرفين فى حكومته الأخيرة، التى تشكلت فى موعدها مع القدر فى نوفمبر 2022.

لذلك فإن إعادة الاعتبار لحل الدولتين بنجاح هذا المؤتمر، صفعة مؤثّرة على وجه الاحتلال، وإنذار قوى للإدارة الأمريكية التى تدعمه بسخاء، وإحكام للضغط الدولى على ترامب ونتنياهو، ليتوقفا عن مغامرتهما فى غزة، بالسعى لتهجير سكانها وتحويلها إلى مشروع عقارى.

وكان «مؤتمر نيويورك» قد انطلق بعد ترتيبات متميزة وتحضير اتسم بالموضوعية والعمق، وتزامن فى يومه الأول مع قيام الأردن والإمارات بعملية الإسقاط الجوى للمساعدات الإنسانية، واستمرار الاختراق الذى حدث فى مسألة تدفّق دخول الشاحنات عبر الحدود المصرية، والتى تحمل المزيد من المساعدات إلى القطاع، وهو ما منح المؤتمر دعماً معنوياً مهماً.

فيما كان الأثر الأقوى، الذى أحدثته كلمة الرئيس السيسى، التى سبقت افتتاح المؤتمر بساعات، وأعدّت سريعاً لأهمية رسائلها، وظنى أنها كلمة أذيعت لتضع حداً للتضليل ضد مصر، والتأكيد على صدق ونزاهة الدور المصرى الداعم للشعب الفلسطينى، وتوضيح مسألة المعبر الدولى عند رفح، والمفتوح دائماً من الجانب مصر.

وقد اختتم الرئيس المصرى رسائله، برسالة إلى الرئيس الأمريكى يطالبه بالتدخّل لإنهاء الحرب، وهى كلمات يُعلّق بها «السيسى» ذنب ما يجرى لأهل غزة فى رقبة ترامب، فبلاده هى الوحيدة القادرة على إجبار إسرائيل على وقف الحرب، ومنعها من الإبادة والتجويع وإنقاذ الشعب الفلسطينى من الهلاك.

وكان الرئيس ترامب قد أعلن مؤخراً بعد تعليق مفاوضات الهدنة التى احتضنت الدوحة آخر جولاتها، أنه سوف «يُصحّح الأمور فى غزة»، ولا يدرى أحد شيئاً عن اتجاه التصويب ونوايا التصحيح، كما أننى لم أعد أتفاءل بتصريحات الرجل الأول فى العالم، والتى أحياناً ما تكون للمراوغة، ومرات تكون بلا قيمة.