إيريني سمير بعد فوزها بـ«التشجيعية»: أكتب بعيون الأنثى.. والإنترنت ساهم في تمزيق الحالة الثقافية (حوار)
إيريني سمير بعد فوزها بـ«التشجيعية»: أكتب بعيون الأنثى.. والإنترنت ساهم في تمزيق الحالة الثقافية (حوار)
أعلن المجلس الأعلى للثقافة بتشكيله الجديد الذي يرأسه الدكتور أحمد فؤاد هنو، أمس الثلاثاء، نتائج جوائز الدولة التشجيعية لعام 2025، التي تُمنح سنويًا تقديرًا لإسهامات المبدعين والباحثين في مجالات متعددة، ودعما لمسيرتهم الإبداعية والعلمية، وجاء ضمن القائمة، فوز الكاتبة إيريني سمير حكيم بجائزة فرع الفلسفة والأنثروبولوجيا عن كتاب «أقنعة الختان المختلفة».
«الوطن» أجرت حوارا مع الكاتبة بعد فوزها بالجائزة، حيث أكدت أن الكتاب يناقش قضية ختان الإناث في المجتمع، مشددة على أن هذه العادة المجتمعية تترك في نفس الفتاة أزمات نفسية وتشوّهات جسدية تترك أثرا بالغا على حياتها الشخصية والزوجية، على المدى القريب والبعيد.
– أشرتِ في كتابكِ إلى أن الختان يُوظَّف كوسيلة للسيطرة على المرأة. كيف يتحقق ذلك في الواقع؟
يُستخدم الختان، سواء في صورته التقليدية أو في أشكاله الأخرى المختلفة، على أساس ما يمكن تسميته بـ«المُقايضة الختانية»، وهي مقايضةٌ تُقدَّم فيها سلامة الأنثى وصحتها وكرامتها، مقابل القبول المجتمعي والسماح لها بممارسة حقها في التعايش داخل هذا المجتمع، كزوجة وأم وامرأة لا يُغضب وجودها الجماعة، وهذه «المقايضة» التي تتكرّر بصور مختلفة، تُعدّ نمطًا ثابتًا في جميع النماذج التي رُصدت أنثروبولوجيًا في هذا الكتاب، وهي ذاتها الدافع الجوهري الذي يُميّز جوهر «الختان التقليدي» أيضًا.
ويظهر ذلك بوضوح في الأمثلة المذكورة، مثل تقليد «كيّ الثدي» في الكاميرون، و«جلد الفتيات» في قبيلة الهَمَر، و«بيع الزوجات» في إنجلترا خلال القرن السادس عشر، و«بيع العرائس» في بلغاريا حتى يومنا هذا.

– من أبرز القضايا التي يتناولها الكتاب التأثير النفسي العميق للختان على النساء، وما يخلّفه من شعور بالإهانة والقلق والضغط النفسي المستمر.. كيف يحدث ذلك من وجهة نظركِ؟
لأن النساء يتعرّضن لابتزازٍ اجتماعيٍّ متواصل يدفعهنّ إلى القبول بالختان، باعتباره شرطًا غير مُعلَن للاندماج والقبول داخل المجتمع، وهذا الابتزاز لا يُمارَس فقط من خلال الشكل القهري المعروف للختان، بل يمتدّ أيضًا إلى ما يمكن تسميته بـ«الختان الاختياري»، وهو ختان تُفرَض ضغوطه بشكل غير مباشر، عبر صورٍ مموَّهة وناعمة تُخفي عنفها خلف واجهات اجتماعية مُزيّنة بالقبول الظاهري.
وصحيح أنَّ الأنثى تتعرّض، في الختان التقليدي، لأزمات نفسية وتشوّهات جسدية تترك أثرًا بالغًا على حياتها الشخصية والزوجية، على المدى القريب والبعيد، لكن النتائج نفسها قد تنجم أيضًا عن ممارسات الختان المُقنَّعة، التي تُفرَض عليها بطرق غير مباشرة، ولكن لا تقلّ وطأة وتأثيرًا، وهذا ما توضحه بجلاء الأمثلة المذكورة في الكتاب، مدعومةً بشهادات موثّقة لأطباء من تخصّصات جسدية ونفسية متعددة.
– هل حمل الكتاب أي لمحات أو انعكاسات من تجربتكِ الشخصية كامرأة في هذا الواقع؟
لا أكتب في هذا الكتاب عن تجاربي الشخصية، بل أكتب بعيون أنثى يلتفّ حولها قيد الختان في صوره المتعددة، سواء أكان عنيفًا فجًّا، أم لطيفًا مموّهًا.
ومن هذا المنطلق، استطعتُ أن أتفهم معاناة الأنثى في أيّ عصر، وتحت أي ثقافة، وبغضّ النظر عن شكل الختان الذي تعرضت له، لأن جوهر الختان واحد في كل أرض، مهما تعددت أقنعته وتغيرت ملامحه.
– بصفتكِ كاتبة ومثقفة، كيف تقيّمين المستوى الثقافي في مصر اليوم؟
المستوى الثقافي في مصر ليس حالة ثابتة، بل هو ممزق بشدة نتيجة صراع ثقافي متضارب ومتنافر، يعيش فيه الفرد أياً كان عُمره، حالةً من التشتت المستمر، وقد ساهم في تعميق هذا التمزق وهيمنته عالم الإنترنت الذي بات تأثيره فوضويًا، خاصةً على من يفتقرون إلى القدرة على التمييز، إذ يصعب وسط ضجيجه التحقق من صحة معلومة أو فهم حقيقة توجهٍ ما.
وهكذا، يضلّ الفرد طريقه بين دروب المعرفة والجهل، في زمنٍ تتعالى فيه الأصوات من كل منصة، دون معيار واضح يميّز الوعي من التزييف.
ولذلك، حاولت من خلال كتابي «أقنعة الختان المختلفة» أن أكون، ولو بقدرٍ بسيط، جزءًا من مساحة تغيير تَحمِل على عاتقها عبء التحليل الجاد، لا من أجل توجيه القارئ نحو حقيقة بعينها، بل لمساعدته على تنمية قدراته على التفكير والتحليل الفردي الحر.
– برأيك، ما أبرز المتطلبات أو التغييرات التي يحتاجها المشهد الثقافي في الوقت الحالي؟
نحن نحتاج إلى تنويرٍ صادق، ولكن من يضمن ذلك؟ لا يمكنك أن تذهب إلى شخصٍ ما يقود حملة تنويرية ضد شكلٍ من أشكال الجهل، وتطالبه بأن يكون صادقًا في معلوماته أو نواياه.
لكن ما يمكننا قوله بثقة: إن المتلقي هو المسؤول الأول عن التحقق من صدق هذا «القائد الذهني» من عدمه، هو المسؤول عن «فلترة» المعلومات التي يتلقاها، وعن تمحيص كل توجيه يُلقى عليه، والحقيقة أنني أرى أن مسؤولية المتلقي تفوق مسؤولية أيّ مَن يقود فكره، أياً كانت صفته أو خلفيته أو نواياه.
وهذا هو الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه أي مشروع تنويري، في أي مجتمع، ولدى أي فرد، من أي ثقافة، ففي خضَّم هذا الطوفان المعلوماتي الذي نعيشه، في عصر الذكاء الاصطناعي والوفرة المعرفية، تضخّمت مسؤولية المتلقي، وأصبح الوعي النقدي أداةً لا غنى عنها للنجاة من التزييف والتضليل.
– هل كان حصولكِ على جائزة الدولة التشجيعية أمرًا متوقعًا بالنسبة لكِ؟
لم أكن أتوقع الفوز، لكنني بالتأكيد كنت أتمنى ذلك. وقد أسعدني وشرفني حصولي على الجائزة، خاصةً أنها تتويج من بلدي الحبيب مصر لمجهود بحثي استغرق أكثر من أربع سنوات، لكتاب اعتمد على ما يقرب من 500 مرجع، كانت الجائزة بالنسبة لي لحظة امتنان عميق، وبادرة أمل كبيرة.
كما أسعدني أن تكون الجائزة في فرع الفلسفة والأنثروبولوجيا، وهو امتداد طبيعي لتخصصي الأكاديمي في الآثار اليونانية والرومانية، إذ تُعدّ الآثار أحد الفروع الأساسية لعلم الأنثروبولوجيا.
ما هي خطوتك القادمة بعد الجائزة؟
سأعمل على نشر كتب كنت أنجزتها بالفعل قبل صدور كتاب «أقنعة الختان المختلفة» لأن هدفي كان أن يكون هو أول كتاب أنشره للقارئ.
- في حياتكِ الشخصية خضتِ تجارب متعددة: من التسجيل والأداء الصوتي، إلى كتابة المقالات ثم تأليف الكتب.. أي من هذه التجارب الأقرب إلى قلبكِ؟
- وهل ترين هذا التنوّع تعبيرًا عن تعدد مواهب، أم كان جزءًا من رحلة بحث عن الذات؟ أم أنكِ لا تزالين في طور اكتشاف نفسكِ الإبداعية؟
ما يعنيني هو «التعبير» في حدّ ذاته. لا أبحث من خلاله عن ذاتي، بل أركّز على اختيار الوسيلة الأصدق والأكثر ملاءمة لكل فكرة أتناولها. لقد منحني الله قدرات تمكّنني من التعبير بألسنة متعددة، تشمل الكتابة بأشكالها المتنوعة، والفنون بمختلف صورها: التمثيل، الإخراج، التصميم، والتعبير الحركي، وغيره، وأسعى جاهدة لأكون أمينة تجاه هذه العطايا، باستخدامها بما يليق بقيمتها وبالموضوع الذي أتناوله.
ما يهمّني، حين أطرح فكرة أو أناقش قضية، هو اختيار وسيلة التعبير الأكثر ملاءمة ووضوحًا لذلك السياق، على أن تستند أولًا إلى البحث، ثم التعبير، فالمعالجة، طريقة المعالجة التي أختارها لأي فكرة تنبع دومًا من الأداة التي أراها الأكثر لباقة ودقّة في التعبير عنها.
على سبيل المثال، صمّمت وأخرجت وأديت عرضًا مسرحيًا تعبيريًا صامتًا عن «زواج القاصرات»، باعتباره جزءًا من كلّ أوسع تناولته في كتابي «أقنعة الختان المختلفة»، حيث ناقشتُ زواج القاصرات كأحد أقنعة الختان المتعددة. وقد تكررت هذه التقاطعات بين أعمالي المسرحية والبحثية والكتابية في أكثر من محور وفكرة، بما يعكس وحدة الرؤية وتنوّع وسائط التعبير.
وقد امتد هذا التوجّه إلى الأعمال الصوتية التي قرأتها وأخرجتها لتقديم الدراما الإذاعية على قناتيّ، وينطبق ذلك أيضًا على باقي الأدوات الفنية والأدبية التي أستخدمها، إذ أُوظّف جميعها في خدمة الفكرة الواحدة، وإن تعددت أدواتي التي أُعبِّر بها، فمثلًا الفكرة التي أتناولها بحثيًا في كتاب، قد أعود لتجسيدها أدبيًا كقصة أو قصيدة، أو حتى عرض مسرحي أو عمل صوتي، وذلك بحسب ما تقتضيه طبيعة التعبير، وما تمليه خصوصية الفكرة نفسها.
إنني أُعبّر عن أفكاري وأبحاثي بخطواتٍ ثابتة، مستخدمةً أدواتٍ متعددة أحرص على تطويرها باستمرار، ورغم تنوّع هذه الأدوات، فإنَّها لا تتناقض، بل تتكامل لتخدم رؤية واحدة في التعبير والمعالجة، ومن هذا التكامل ينبع اهتمامي بمجالٍ بحثي يمثّل صلة الوصل بين الفن والمعنى، وهو: «العلاج النفسي بالفنون التعبيرية»، الذي يُضيء هذا التوجه الإبداعي ويعمّقه في مسيرتي العملية والفكرية.
– ما هي رسالتكِ لكل امرأة مصرية اليوم؟
أنتِ قيمة كبيرة، ولا يمكن للمجتمع أن ينهض دونك، أنتِ إنسانة كريمة، لكِ حقوق كما عليكِ واجبات، وأولى حقوقك هي إنسانيتك نفسها، وأولى واجباتك هي أن ترفضي أن تكوني جزءًا من ترسٍ في ماكينة إيذاء الأنثى والتقليل من شأنها.
فلا تكوني مضخةً تُغذي شرعية الختان، بصوره المتعددة، في حياة الإناث من حولك، وكذلك الذكور، فدوركِ الأموميّ كبير، وتأثيركِ المجتمعيّ شديد العمق.
لا تُعيدي تدوير الألم لنساءٍ غيركِ من خلالك. أنتِ قوةٌ بوعيك، لكن تذكّري دومًا أن تتأكدي من ألا يكون وعيكِ زائفًا، فلطالما جاءنا الختانُ من طرقاتِ حريةٍ زائفة، وأزقّةِ تحضّرٍ متخلّف!