العطاء.. والأبالسة

فى قلب «مربع الحكمة» يقع خلق عطاء من هم بحاجة إلى عطاء، العطاء لذوى القربى والمسكين وابن السبيل وغيرهم، التعاطف مع الأهل وكل من بحاجة إلى تعاطف يمثل حكمة بليغة وفهماً عميقاً لطبيعة الحياة، فهو السبيل الوحيد لمحاربة الحقد ما بين البشر، وإماتة الضغينة داخل نفوس من يعانون الحرمان، كما أنه يرتقى بمشاعر من يعطى، فالإنسان الطبيعى يشعر بالسعادة حين يكون سبباً فى سعادة غيره. وما أجمل المثل المصرى الذى يقول «اللقم تمنع النقم». صحيح! فمد يد العون إلى الغير يؤدى إلى سيطرة أحاسيس السلام والمحبة على المجموعات البشرية، ويحول دون تراكم البغض والكراهية داخل نفس من لا يجد، فيحسد ويتمنى زوال النعم عن غيره، أو يسعى فى اتجاه ذلك.

يقول الله تعالى فى الآيات رقم (26 و27 و28) من سورة «الإسراء»: «وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا». يوصى الله تعالى عباده بأداء واجباتهم نحو ذوى قرباهم (أهلهم وذوى رحمهم) فيودونهم ويحسنون إليهم ويمنحونهم ويعطون لهم ما داموا بحاجة إلى عطاء، لا بد أيضاً من العطاء للمساكين الذين لا يكفيهم دخلهم، وهم بذلك يختلفون عن الفقير الذى لا يجد قوت يومه، ويتمدد العطاء أيضاً إلى ابن السبيل المسافر المنقطع الغريب الذى ينزل أرضاً لا يعرف فيها أحداً.

سقف العطاء يتحدد دائماً بحماية المجتمع. فالعطاء لمن لا يجد يؤمّن المجتمع من أى قلاقل أو اضطرابات، وليس معنى ذلك أن يمنح الإنسان من ماله بلا حساب أو حدود، ففى ذلك إتلاف لحال المجتمع. وقد نهى الله عن التبذير لهذا السبب، فالتبذير على من يعول المرء قد يؤدى إلى إفسادهم، ومد اليد بالعطاء فيما يلزم وما لا يلزم بالنسبة للإنسان المحتاج تبذير قد يؤدى إلى التخريب. العطاء من أجل الإطعام أو الكساء أو العلاج أو التعليم واجب، أما العطاء الذى يصب فى مربع الاستهلاك فتخريب وتبذير خطير. مثلاً هل من العقل أو المنطق أن يطلب إنسان مساعدة من أجل التصييف؟ إننى أقرأ من حين إلى آخر عن أناس يتحدثون عن أنهم يريدون قضاء بضعة أيام فى مصيف ولا يملكون إلا 300 جنيه، فإذا بالمساعدات تنهال عليهم، بل ويوجه لهم البعض الدعوات للنزول فى شاليهاتهم الخاصة.. هل فى ذلك منطق أو معقولية؟. تستطيع أن تفهم فى هذا السياق لماذا وصف الخالق العظيم المبذرين بالشياطين، لأنهم يؤدون مثل الأبالسة الذين يريدون تخريب الحياة.

من المهم التنبه أيضاً إلى أن العطاء ليس فى المال وفقط، بل يمتد إلى الكلمة الطيبة، التى قد تكون نصيحة، أو معلومة مفيدة، أو حتى كلمة تطيب بها النفس، فالاستجابة لمن يريد أو يحتاج مرهونة بتوافر ما يحتاجه، فإذا توافر كان بها، وإن لم يكن فالكلمة الطيبة صدقة.

العطاء للأقارب والمساكين، ومد يد العون للغريب الذى انقطعت به السبل، والبعد عن السفه فى الإنفاق، وإقامة الوزن الموضوعى للكلمة الطيبة يمثل جوهراً من جواهر الحكمة.