نهضة الكتابة التاريخية في مصر
أهدانى المؤرخ الكبير الدكتور أحمد زكريا الشلِّق أحدث كُتبه: نهضة الكتابة التاريخية فى مصر من الحوليات إلى التاريخ العلمى، الصادر عن هيئة الكتاب، التى يديرها بكفاءة واقتدار الدكتور أحمد بهى الدين، لدرجة أنها أصبحت من أهم دور النشر فى الوطن العربى.
والمؤلف يُهدى كتابه لأستاذه الدكتور عبدالخالق لاشين، المثال الصعب والأستاذية والكرامة فى أجلى صورها. ويكتُب الدكتور محمد صابر عرب، المؤرخ والكاتب المعروف ووزير الثقافة الأسبق، والذى يُعالَج خارج البلاد، ونتمنى ونحلُم أن يعود شافياً معافى من مرضه. فمصر والوطن العربى فى أمس الحاجة إليه.
يكتُب فى مقدمته المهمة بأنه يعترف بأن ثمة قصوراً فى تقييم حركة الكتابة التاريخية الحديثة والمُعاصرة. وهو ما أقر به الصديق الدكتور أحمد زكريا الشِلِّق فى تقديمه لهذا العمل العلمى المتميز، الأمر الذى دفعه للعناية بهذه الدراسة التى تسد فراغاً ملحوظاً فى هذا الجانب. خصوصاً أن مؤرخنا النابه قد توصَّل إلى هذه الحقيقة بعد خبرة علمية طويلة، شملت كل مراحل التاريخ المصرى الحديث والمُعاصر. وعلى مدار أربعة عقود تقريباً.
ومنذ أن عمِلَ الدكتور أحمد زكريا مُعيداً بقسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة عين شمس سنة 1972، وحتى بدايات العقد الثانى من هذا القرن وهو يواصل مشروعه العلمى حينما بدأ حياته العلمية، بعد أن اختار حزب الأمة ودوره فى السياسة المصرية كموضوع رسالته لدرجة الماجستير. هذا العمل العلمى الذى يُعد بمثابة المصدر الأول ليس عن الحزب فقط، وإنما عن الحياة السياسية والمصرية منذ بدايات القرن العشرين.
وحينما كتب رسالته للدكتوراه عن حزب الأحرار الدستوريين جاءت من أفضل الأطروحات التى كُتِبَت خلال العقود الثلاثة الماضية، فضلاً عن أنه وثَّق لدور هذا الحزب وسياسته، لذا أصبح كتابه الكتاب العُمدة فى تاريخ هذا الحزب.
لم يكن أحمد زكريا عندما كتب هاتين الرسالتين مجرد ناقد أو موثق، أو حتى مؤرخ تقليدى. بل كان بارعاً فى منهجه ورؤيته ونقده. وقد عبَّر فى كل ما كتب عن ثقافة راقية المستوى فضلاً عن لغته العلمية الرفيعة، ولم يتوقف مؤرخنا الرائع عند هذين العملين الكبيرين، بل راح يواصل مشروعه حينما كتب دراساته عن تحديث الفكر المصرى، ولعله أول من عنى بالكتابة عن الحزب الديمقراطى المصرى، بعد أن أغفلناه فى خِضَم أحداث ثورة 1919.
كما عُنى بالتاريخ الاجتماعى والسياسى، ثم واصل رسالته من خلال عشرات الكُتب والبحوث الأكاديمية، بعضها عن طه حسين والبعض الآخر عن الشيخ مصطفى عبدالرازق وغير ذلك كثير، إضافة إلى ما كتبه عن تاريخ العرب الحديث والمُعاصر، البعض عن طريق قطر، والبعض الآخر عن العرب والدولة العثمانية، لذلك فقد استحق صديقنا كل هذا التقدير من الأوساط العلمية، ليس فى مجتمع المؤرخين فقط، وإنما فى الأوساط الثقافية المصرية كافة.
وخصوصاً أنه أشرف على العديد من الأعمال العلمية فى دار الكُتب والوثائق القومية، فضلاً عن هيئة قصور الثقافة. وقد حفِلت مكتبتنا المصرية بالعديد من الأعمال الكبيرة التى أشرف عليها الدكتور أحمد زكريا الشِلِّق، أو قدم لها، أو أعد لبعضها دراسات علمية رصينة تنم عن وعى كبير بمعنى الكتابة التاريخية.
ما من مكانٍ نذهب إليه إلا ويكون للدكتور أحمد زكريا الشِلِّق اهتمامٌ من نوعٍ خاص بالكُتُب. يُنقِّب فيها ويتفحصها ويقتنى الأهم علمياً وحضارياً من بينها. لذلك فهو مؤرخ كبير وعظيم بكل معنى الكلمة. وعندما أجد أى كتاب يحمل اسمه أسارع إلى اقتنائه فوراً مهما كان ثمنه.