الإخوان.. وشهية ما بعد «الجولاني»!

شريف سعيد

شريف سعيد

كاتب صحفي

دعاوى إخوانية لحصار السفارات المصرية فى الخارج! أعقبها تظاهر لمتأسلمين سياسياً، وهتاف ضد القاهرة تحت العَلم الإسرائيلى فى تل أبيب، من أجل فك الحصار عن غزة! هذا المشهد المعتوه، رُبما كان هو «الأفضح» خلال نحو مائة عام من تاريخ الجماعة الإرهابية! لمَ لا وعِمالتها هذه المرة لم تُمارس خلف الجدران -كما اعتادت- وإنما أمام العالم!

إن المتأمل لفعلة الإخوان فى وضح نهار الخميس الماضى، يُدرك مدى الجنون والاشتهاء اللذين أفضيا بالجماعة إلى هذا القدر من الجهر بالخيانة! إنه جنونهم الذى أعقب ثورة يونيو، ثم انفتاح شهيتهم بعد وصول «الجولانى»!.

ماذا عن الجنون؟! لقد قطفت الجماعة تفاحة الرئاسة فى مصر عقب 84 سنة من التدشين الأول الذى شهد معونة المستعمر البريطانى ورعايته للمؤسس حسن البنا! أخيراً صار الإخوان فى الاتحادية بعد ثمانية عقود لم يتركوا فيها -هم أو باقى المتأسلمين الذين خرجوا من تحت عباءتهم- دوراً مشبوهاً ضد مفهوم الدولة القومية والجيش الوطنى إلا لعبوه بالوكالة عن المحتل الذى باركهم؛ من اغتيال النقراشى، إلى التورط فى إشعال حريق القاهرة.

ومن معارضة اتفاقية الجلاء والمحاولات المتعددة لاغتيال «ناصر»، إلى التخطيط لتفجير القناطر الخيرية وإغراق البلد، ثم البهجة المستترة بالنكسة نكاية فى الرئيس، ومن اغتيال قائد العبور فى ذكرى يوم نصره، وهو الذى أخرجهم من السجون، إلى التهديد بحرق الوطن إن لم يتولوا حكمه فى 2012؛ لذا كان من الطبيعى بعد كل هذه السنوات من الجوع إلى السُلطة والانغماس فى كل عارٍ من أجلها، أن يستبد بهم الجنون حين يجدون أنفسهم، بعد عام واحد فقط من الاستيلاء على القصر، مجبرين على العودة إلى التيه والزنازين عقب ثورة شعبية فى 2013.

هذا القدر من الجنون والذهول والإنكار الذى تملَّك ذهنية الإخوان هو ما دفعهم إلى كل ما اقترفوه من بعد ظهيرة الثلاثين من يونيو/ حزيران؛ من إلقاء الأطفال من فوق عقار الإسكندرية، إلى إطلاق النار على بيوت المصريين من فوق جسر 15 مايو، ومن حرق كنائس المنيا، وضرب قسم كرداسة بالأسلحة الثقيلة، والتمثيل بجثامين الشهداء الأبطال، إلى اغتيال النائب العام الشهيد هشام بركات.

كل هذا على سبيل المثال لا الحصر، كل ذلك بجوار ما كان منهم فى شمال سيناء وتصدت له قوات الجيش والشرطة نيابة عن الشعب، حتى كتب الله لنا قصم ظهورهم، وتقليم شوكاتهم. وفجأة، وعقب 11 سنة من السجون والمنافى، استيقظت الجماعة على نبأ استيلاء «الجولانى» على سوريا! كان خبراً عاجلاً فى نشرات الأخبار، ضاعف من إفراز عصارات السُلطة فى جوف الكائن الإخوانى، فانفتحتْ شهيته! وهكذا صرنا أمام جماعة مجنونة وجائعة فى آن واحد!

وماذا عن انفتاح الشهية؟! عقب فجر الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، شاهد العالم والإخوان كيف تحول الإرهابى أبومحمد الجولانى -بالتفاهم مع المخططات الغربية- إلى السيد أحمد الشرع، وقد رقّق نبرته، وهذّب لحيته، وأحكم رابطة عنقه، وحلّ الجيش العربى السورى، متماهياً مع الإسرائيليين، متعطشاً إلى البقاء، وغاضاً الطرف إلى حد قصف طائرات الكيان الصهيونى وزارة الدفاع السورية بلا تأذٍ من الشرع، الذى انتُدب وعصبته المسلحة إلى قصر الرئاسة من فوق جثمان دولة كانت! هذا الانتداب رأته أطياف التأسلم السياسى نصراً سنياً ربانياً رغم كونه أمريكياً إسرائيلياً بامتياز!

وعلى أى حال، فقد أسال إقصاء «الجولانى» لـ«الأسد» لعابهم إلى حد حلمهم بأن مصر ورئيسها هى محطتهم القادمة، ولسان حالهم: «نحن لسنا أقل من الشرع». وفى سبيل ذلك استغرقوا أكثر وأكثر فى وحل تلبية قائمة رغبات الأمريكيين والصهاينة، وعلى رأسها المساهمة الفعالة فى تحويل أنظار الدنيا عن الإسرائيليين، والمضى خطوة من أجل إنفاذ مخطط تهجير الجوعى المحاصرين! لذا كانت دعواتهم المتعجلة للزحف نحو السفارات المصرية فى الخارج لأجل فتح معبر رفح المفتوح بالفعل من الجانب المصرى!

وبذلك يضربون عصفورين بحجر واحد؛ الضغط على الرئيس السيسى أمام الإقليم والعالم، وإظهاره بأنه مَن يجوِّع القطاع، ولا يريد إنهاء المجزرة بفتح المعبر للعالقين فى الجحيم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، اكتساب رضا إدارة ترامب والصهاينة! لكن القدر أعماهم عن خطورة التظاهر ضد السفارة المصرية فى تل أبيب! فكان المشهد الفاضح لعورة الإخوان والتأسلم السياسى برمته لسنوات طوال قادمة؛ الإخوانيان رائد صلاح، وكمال الخطيب، يقودان تظاهرة تحت عَلَم إسرائيل، وفى حماية أمنها، هاتفين ضد القاهرة، والأخوات يلتقطن صوراً دافئة مع المجندات الصهيونيات للذكرى الخالدة!

فى النهاية، فإن المتأمل لتاريخ الإخوان، وما أفرزوه من جماعات تأسلم سياسى بأسماء مختلفة، يدرك أن المستعمرين القدامى، وابنتهم الكبرى إسرائيل، هم المحرك الرئيس للجماعة وأذنابها، وأن جنونهم عقب الإطاحة بهم فى الثلاثين من يونيو/ حزيران، ثم انفتاح شهيتهم عقب وصول «الجولانى» إلى الحكم، هو ما دفعهم إلى مرحلة استمراء الجهر بالخيانة، إلى حد إعلان الترحيب بالمحتل فى مقابل السلطة! لمَ لا والعميل الإخوانى الخائن «محمد إلهامى» قال مؤخراً فى تسجيل شهير: «إن علامة نجاح الثورة هى نزول الاحتلال، وإذا سقط نظام السيسى فإن إسرائيل ستجتاح سيناء، وهذا على المدى البعيد جيد»!

إن عمالة الإخوانى وجاسوسيته وكينونته -بوصفه أداة أجنبية- هى حقيقة راسخة فى يقين المتعمقين فى ملف التأسلم السياسى، لكنها حقيقة ظلتْ مجرد اتهامٍ نخبوى غير مصدق تماماً حتى نهار الخميس الماضى، حين رأى الجميع عار أفراد الجماعة وهم فى حراسة الصهاينة، وتحت علَم الكيان، يتاجرون بفلسطين مثلما اعتادوا الاتجار بالدين.