يسرا زهران تكتب: ليلة سقوط واشنطن في جحيم نووي بعد ضرب «البنتاجون»| الحلقة الخامسة
فى تلك اللحظة التى وصلنا إليها فى سيناريو «آنى جاكوبسون»، صارت الولايات المتحدة بالفعل تحت وطأة هجوم نووى من كوريا الشمالية، تعرض فيه مفاعل «ديفيلز كانيون» (أو «أخدود الشيطان» كما يعنى اسمه حرفياً) فى «كاليفورنيا» الأمريكية لضربة نووية قضت على الحياة فى تلك المنطقة ونشرت الدمار والتسمم الإشعاعى سريعاً فيما حولها، فيما يعرف باسم «سيناريو الشيطان» فى الملفات الدفاعية الأمريكية، معلناً استحالة الحياة فى تلك المنطقة لعقود قادمة لا يعرف مداها أحد.
لكن العالم لا يملك أمامه عقوداً، ولا حتى أسابيع ليحياها بعد انطلاق الحرب النووية.
ما زالت الولايات المتحدة تترقب الضربة النووية الثانية التى أطلقت هذا التسلسل المخيف للأحداث، ضربة الصاروخ الباليستى الكورى الأول الذى ينطلق متجهاً نحو العاصمة «واشنطن»، بعد أن فشلت أربع محاولات من صواريخ الصد الأمريكية لاعتراضه (اختبارات الصد الصاروخية الأمريكية فى عالم الواقع كما تقول «جاكوبسون» لم تنجح إلا بنسبة ٥٥٪، وفشلت فى نصف عدد المرات تقريباً فى صد الصواريخ المعادية).
الآن بعد مرور 31 دقيقة على انطلاق الصاروخ الكورى، وقبل دقيقتين من وصوله لهدفه، صار من الواضح بالنسبة لأجهزة الرصد الأمريكية أن هدف الصاروخ هو مقر وزارة الدفاع الأمريكية أو «البنتاجون» فى العاصمة «واشنطن». أصدر الرئيس الأمريكى فى ذلك السيناريو أمره بإطلاق هجوم نووى مضاد ضد كوريا الشمالية قبل حتى أن تصل صواريخها إلى الأراضى الأمريكية، وتستعد الصواريخ الباليستية الأمريكية التى تحمل رؤوساً نووية للانطلاق نحو أهدافها المحددة مسبقاً فى كوريا الشمالية، بهدف منع قدرتها على شن مزيد من الهجمات والانتقام من ضربتها ضد الولايات المتحدة.

ومع اقتراب الصاروخ النووى الأول من ضرب العاصمة «واشنطن» يقرر رجال الحراسة الخاصة بالرئيس الأمريكى إخلاء البيت الأبيض من قاطنه الرئيسى خوفاً من أن يلقى مصرعه فى التداعيات الكارثية الحتمية التى ستصيب الولاية بعد الضربة النووية التى لم يعد من الممكن تفاديها، ويقرر رجال حماية الرئيس الأمريكى وضعه على متن الهليوكوبتر الرئاسية «مارين وان» لنقله إلى مخبأ نووى آمن فى قلب الجبال الأمريكية، يطلق عليه فى عالم الواقع اسم «الموقع آر»، نسبة إلى موقعه فى جبل «رافن روك» الأمريكى كمقر بديل لقيادة «البنتاجون» العسكرية فى حالة تعرض مقره الرئيسى للضرب كما هو متوقع فى هذا السيناريو. إلا أن هذا القرار بدوره قرار محفوف بالمخاطر، ولا توجد ضمانة لأن ينجو الرئيس الأمريكى ومن معه من تأثير الانفجار النووى الذى سيضرب «واشنطن» بعد لحظات، ولا أن تفلت الهليوكوبتر الرئاسية الأمريكية من موجة التضاغط الكهرومغناطيسية التى تصاحب هذا الانفجار، التى تؤدى حتماً لشل كل الآلات والمعدات التى تقع فى نطاقها، بشكل يجعل كل أجهزة الطائرة الرئاسية تتوقف عن العمل لتتجه مباشرة إلى التحطم بعد السقوط.
قوة الانفجار النووى المرتقب سوف تتجاوز أى دفاعات تمتلكها الطائرة الرئاسية الأمريكية فى مواجهة موجة التضاغط الكهرومغناطيسية، بالتالى فإن حياة الرئيس الأمريكى، وكثير ممن يأتون بعده فى سلسلة القيادة الأمريكية ويصاحبونه على متن الطائرة الرئاسية، سيفقدون حياتهم على الأرجح تاركين فراغاً مفزعاً فى تلك اللحظة التى تكون فيها أمريكا أشد ما تكون احتياجاً لـ«رأس» يتخذ قرارات قد تسارع من وتيرة نهاية العالم مع كل لحظة تمر.
ولأن الكل يدرك إمكانية مصرع الرئيس الأمريكى فى هذا التوقيت الحرج، يطلب منه قائد القيادة الاستراتيجية الأمريكية (المعروفة اختصاراً باسم «ستراتكوم») أن يمنحه الأكواد الشاملة لإطلاق الأسلحة النووية.
تلك الأكواد الشاملة، كما تقول «جاكوبسون» فى كتابها: «تعنى أن كل طواقم الغواصات النووية والمسئولين عن إطلاق الصواريخ الباليستية النووية فى كل مواقعهم يصبحون قادرين على إطلاق أسلحتهم النووية العابرة للقارات تبعاً للموقف، دون المرور بالعملية التقليدية التى يصدر فيها الرئيس الأمريكى أكواداً جديدة فى كل مرة يقرر فيها إطلاق الأسلحة النووية الأمريكية تجاه هدف بعينه».
بعبارة أخرى، فإن الأكواد النووية الشاملة تعنى أن يصدر قائد القيادة الاستراتيجية الأمريكية أمراً للقوات المسئولة عن الأسلحة النووية بإطلاقها حسب تقديرهم وفقاً للحاجة التى يستدعيها الموقف، لأن الضربات النووية بعد هذه اللحظة قد تأتى من أى مكان.

ولم يعد هناك أمل أمام الولايات المتحدة الأمريكية فى تفادى اندلاع الحرب النووية الشاملة إلا لو تعطل الصاروخ النووى الكورى الشمالى أو تحطم عند عبوره من جديد للغلاف الجوى الأرضى وهو فى طريقه إلى «واشنطن» (الصواريخ الباليستية العابرة للقارات تتجاوز الغلاف الجوى عند إطلاقها وتنطلق فى مسارها عبر الفضاء ثم تعود للدخول فى الغلاف الجوى مرة أخرى عند اقترابها من هدفها مواجهة ظروفاً قاسية من ارتفاع درجات الحرارة والاحتكاك بالرياح مما قد يؤدى لتحطمها وسقوطها).
يصف سيناريو «جاكوبسون» المتخيل الموقف داخل «البنتاجون» قبل دقيقتين من ضرب الصاروخ النووى له قائلة: «فى قلب المخبأ النووى أسفل مقر «البنتاجون»، يدرك الجميع أن أمامهم 120 ثانية قبل أن تنفجر قنبلة نووية فوق المبنى لتفنى كل من وما فيه. هناك الآن 27 ألف موظف داخل المبنى على وشك الموت، بمن فيهم قادة الجيش والبحرية والقوات الجوية وقوات الفضاء وخفر السواحل والعديد من رؤساء أجهزة الاستخبارات الأمريكية. إلا إذا تعطل الصاروخ النووى الكورى الشمالى فى مرحلة إعادة الدخول إلى الغلاف الجوى وهو فى طريقه لواشنطن وسقط. فى مرحلة إعادة الدخول هناك أمور كثيرة يمكن أن تحدث بشكل خاطئ للصاروخ الذى ينطلق بسرعة كبيرة كأن يفقد استقرار الطيران الصاروخى، أو أن يدور حول نفسه أو يفقد قدرته على إصابة الهدف المحدد أو حتى أن يحترق بالكلية».
وتتابع «جاكوبسون»: «لسنوات طويلة، كانت الاستخبارات المركزية الأمريكية «سى آى إيه» على قناعة تامة بأن الصواريخ الباليستية الكورية الشمالية العابرة للقارات ليست لديها القدرة على تجاوز مرحلة إعادة الدخول للغلاف الجوى. لكن فى عام 2020، ولأسباب لم يتم الإعلان عنها، تغيرت هذه التقديرات الاستخباراتية الأمريكية».
الأمر الذى يعنى فى سيناريو «جاكوبسون» أن الصاروخ الكورى الشمالى يتجاوز مرحلة إعادة الدخول للغلاف الجوى بنجاح، ويواصل طريقه دون أن يجد ما يصده ليضرب هدفه المحدد.
وفى الدقيقة الثالثة والثلاثين من انطلاقه، يضرب الصاروخ النووى الكورى الشمالى مقر وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» فى العاصمة «واشنطن»، لتنطلق المحرقة النووية على الأرض.
يصفها سيناريو «جاكوبسون» قائلاً: «فى أول جزء من ألف جزء من الثانية بعد اصطدام الصاروخ النووى بهدفه تنطلق دفقة من الضوء تجعل درجة حرارة الهواء ترتفع لتصل إلى 180 مليون درجة فهرنهايت (حوالى 82.2 مليون درجة مئوية) ليتحول الأشخاص والأماكن والأشياء إلى رماد، ويذوب قلب مدينة «واشنطن» الذى كان يوماً ما برّاقاً وقوياً ونابضاً بالحيوية فى محرقة من النيران والموت. إن كرة اللهيب التى تنتج عن السلاح النووى الذى ضرب «البنتاجون» ويصل وزنه إلى 1 ميجاطن، هى كرة من اللهب تفوق فى بريقها قوة الشمس فى عز الظهيرة إلى حد أن الناس يرونها بالعين المجردة من ولاية «ماريلاند» حتى ولاية «فرجينيا»، أما من ينظر إليها مباشرة فلا مفر من إصابته بالعمى. فى ذلك الجزء من الألف من الثانية، يبلغ حجم قُطر تلك الكرة النارية 440 قدماً، وسيصل فى خلال الثوانى العشر التالية إلى 5700 قدم، أى إنها كتلة من النيران الخام والصافية تمتد على مساحة تقترب من مساحة 19 ملعباً من ملاعب الكرة، تلتهم قلب ما كان يوماً ما قمة الديمقراطية الأمريكية». ويتابع سيناريو وصف الجحيم النووى: «على حواف كرة النيران تتكون موجة تضاغط كثيفة من الهواء، تندفع لتطيح بكل ما ومن حولها على امتداد ثلاثة أميال فى كل الاتجاهات، تصاحبها رياح ملتهبة تدور بسرعة مئات الأميال فى الساعة، تماماً كما لو أن العاصمة «واشنطن» قد ضربها نيزك من الفضاء. تلك الموجة الكثيفة من الهواء الملتهب تذيب كل شىء فى طريقها، ينصهر الحديد والمعادن وتتحول الشوارع إلى أسفلت منصهر ولا يمكن تمييز البقايا عن بعضها البعض. البشر القليلون الذين ظلوا على قيد الحياة فوق تلك الطرقات صاروا عالقين وسط تلك الشوارع المنصهرة، وتشتعل فيهم النيران بدورهم وتحرقهم. والأشعة السينية، أو أشعة «إكس» الضوئية التى تنبعث من التفجير النووى تحرق الجلد من فوق أجساد الناس، لتحول أطرافهم إلى خليط مرعب من العظام المكشوفة والعضلات الدامية. الرياح العنيفة الناجمة عن الانفجار النووى بدورها تمزق بشرة الناس عن وجوههم وتقطع أطرافهم. أما الناجون القلائل من تأثير تلك الرياح والأشعة الحارقة فيموتون إما بالدخول فى حالة من الصدمة أو بأزمات قلبية أو بسبب فقدان كميات كبيرة من الدماء. أسلاك الكهرباء بدورها تتطاير بعشوائية فى الهواء لتضرب الناس بصواعق كهربائية وتشعل دفقات جديدة من النيران فى كل مكان».
التفاصيل المروعة المحطمة للأعصاب لم تنته بعد.
تواصل «جاكوبسون»: «مرت عشرات الثوانى وكرة اللهب النووية ترتفع بمقدار ثلاثة أميال إلى أعلى فى الهواء. سحابتها المنذرة بالهلاك (التى تشبه عش الغراب) ترتفع لتحول ضوء النهار إلى ليل. حتى الآن لقى ما يقرب من مليونى شخص مصرعهم فى تلك الثوانى الأولى، لكن العدد الأكبر ما زال عالقاً يحتضر فى قلب النيران والبقايا المشعة والمنصهرة. لم يعرف التاريخ البشرى حدثاً لقى فيه هذا العدد من البشر مصرعهم بهذه السرعة من قبل. ولا حدثاً يقضى على الحياة بضربة واحدة بهذا الشكل منذ أن ضرب الأرض نيزك عملاق بحجم جبل منذ ٦٦ مليون عام مضت. وهنا، تتردد فى الأذهان وتعود الحياة إلى تلك الكلمات الرهيبة التى قالها يوماً ما قائد القيادة الاستراتيجية الأمريكية الأسبق «روبرت كيهلر»: إن العالم على وشك أن ينتهى فى الساعتين المقبلتين».
وفى سيناريو «جاكوبسون»، فإن هذه النبوءة تتحقق بالفعل.
على الجانب الآخر من الكرة الأرضية، وفى الوقت الذى تسقط فيه «كاليفورنيا» تحت وطأة التسمم الإشعاعى وقبل أن تذوب «واشنطن» تحت وطأة المحرقة النووية، يجلس الكل فى قلب مقر إدارة الدفاع القومى فى «موسكو» داخل روسيا، يراقبون وهم فى حالة من عدم التصديق تلك الفيديوهات التى التقطها مزارع عجوز من «كاليفورنيا» فى لحظات احتضاره الأخيرة للتفجير النووى الذى قضى على المفاعل النووى وما حوله هناك.
كل المسئولين الروس فى حالة من الذهول وعدم التصديق والذعر فى سيناريو «جاكوبسون»، كلهم يحاولون استيعاب التداعيات الكارثية لما يرونه على الشاشات: الولايات المتحدة تعرضت لهجوم نووى، أى إن منطق الردع لم يعد قائماً بعد تلك اللحظة.
منطق الردع هو المنطق الذى يحكم فعلياً علاقات القوى النووية بعضها ببعض. فى عالم الواقع، فإن ما يمنع أى دولة من إطلاق أسلحتها النووية نحو أى دولة نووية أخرى، هو ذلك التفاهم الصامت والاتفاق غير المنطوق بين تلك الدول، بأن من يطلق ضربة نووية لا بد له أن يتلقى ضربة نووية مقابلة، فلا يوجد شىء اسمه إطلاق «النيران النووية» من جانب واحد. هذا هو الموقف الذى تنطبق فيه قاعدة «لكل فعل رد فعل مساوٍ له فى القوة ومضاد له فى الاتجاه» فى أعنف حالاتها. وفكرة أن من يضرب لا بد أن يُضرب تلك هى التى تمنع فى الحقيقة انطلاق الحرب النووية حتى الآن، إذ إن كل دولة تخشى تعرضها للدمار الشامل لو أنها أطلقت أسلحة دمارها الشامل نحو قوة نووية أخرى. لذلك يظل الكل يحوم ويلف ويدور ويلوح باستخدام السلاح النووى فى أوقات الأزمات الدولية لكن دون أن يجرؤ على إطلاقه، لأن النيران النووية لو انطلقت، فإنها تحرق أول ما تحرق أصابع من يتلاعب بها.
تلك الحالة السابقة التى تثير ذعر القوى النووية العالمية هى ما تعرف باسم نظرية «الدمار المتبادل المؤكد»، التى تقول عنها «جاكوبسون»: «إنها هى التى تُبقى العالم آمناً حتى هذه اللحظة من خطر استخدام الأسلحة النووية. تلك النظرية التى تُعرف اختصاراً بلقب «ماد» (وهو اختصار الحروف الأولى من جملة «الدمار المتبادل المؤكد» بالإنجليزية، لكنها تتطابق أيضاً فى نفس اللغة مع معنى كلمة «مجنون»).
لأنه فى تلك اللحظة التى تضرب فيه الأسلحة النووية هدفاً ما، وتحديداً العاصمة «واشنطن» كما فى سيناريو «جاكوبسون» فإن كل عقل ومنطق يتراجع ليترك المجال واسعاً ورحباً أمام انفلات الجنون.
وضعت «جاكوبسون» سيناريو كتابها أمام وزير الدفاع الأمريكى الأسبق «ليون بانيتا»، وطلبت منه أن يتخيل معها ما يمكن أن يكون عليه الوضع فى القيادة الروسية فى تلك اللحظات التى تعرضت فيها الولايات المتحدة لضربة نووية من طرف ثالث مارق وانهيار مبدأ الردع الواهى الذى يقوم على نظرية لا تقل عنه هشاشة مثل نظرية الدمار المتبادل المؤكد التى ستثبت يوماً ما فشلها فى وضع حد للحكام المجانين. فكان رد «بانيتا» على سيناريو «جاكوبسون» أنه قال: «أنا لا أعتقد حقاً أنه سيكون هناك أى مجال للتفكير فى موقف كهذا بسبب الحالة النفسية التى يدخل فيها الكل مع تأكدهم من وقوع الدمار المتبادل المؤكد فى تلك اللحظات. إننى أخشى أنه فى اللحظة التى تنطلق فيها القنابل النووية فإنه لا يوجد أمام أحد وقت ليفكر فيما يمكن أن يفكر فيه طرف آخر، ولا فى من الذى يمكنه أيضاً أن يشعر بالتهديد فى تلك اللحظات».
وفى تلك اللحظات فى سيناريو «جاكوبسون» فإن روسيا هى من يشعر بالتهديد من أن تتصور الولايات المتحدة أن «موسكو» هى من تقف، لأى سبب، وراء الهجوم النووى عليها.
«العقل المدبر» للاستراتيجية النووية الروسية فى تلك الحالات هو مركز إدارة الدفاع القومى فى العاصمة «موسكو»، الذى تصفه «جاكوبسون» فى كتابها بأنه: «أشبه بالمركز العصبى الذى يضم كل قيادات التحكم والقيادة النووية الروسية. يقع على بعد ميلين من مقر الحكم «الكرملين»، وفيه يجتمع كبار المسئولين الروس لتنسيق التحركات العسكرية حول العالم، بما فى ذلك قرارات إطلاق الصواريخ النووية. تحت المبنى يوجد خندق مشابه لذلك الموجود تحت وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» (كمخبأ فى حالات الهجوم) لكنه أكبر منه. تغطى جدرانه من الأرض حتى السقف شاشات أكبر من شاشات عرض «أيماكس» تنقل ما يحدث فى حالات التحركات العسكرية لحظة بلحظة، بينما تربط كمبيوترات «تابلت» ضباط الجيش بكمبيوتر شديد التفوق، يقول عنه «الكرملين» إنه كمبيوتر تفوق قدراته قدرات نظيره فى «البنتاجون» بثلاثة أضعاف. أو على حد تعبير وزير الدفاع الروسى «سيرجى شويجو» لوكالة الأنباء الروسية «تاس»: إن قدرات ذلك الكمبيوتر «المهولة» تتيح له أن يدير محاكاة للحروب، ويضع توقعات حول الصراعات النووية بقدرات تماثل قدرات العقل البشرى، وأنه مصمَّم بحيث يكون هناك تناسب بين قدراته على اتخاذ القرارات مع أحداث العالم الحقيقى. وأن لديه القدرة على تحليل تحركات الدول الأخرى فى توقيت حدوثها، وتقديم المشورة للرئيس الروسى حول التحركات العسكرية التى يمكن أن يتخذها رداً عليها».
داخل مركز اتخاذ القرار النووى الروسى تبدأ الاتصالات على أعلى مستوى من أجل الاستعداد لمواجهة تداعيات الهجوم النووى على الولايات المتحدة التى لا توجد وسيلة للتواصل مع رئيسها ولا قياداتها وسط ذلك الاضطراب الرهيب الذى أحدثه الهجوم النووى. كل المسئولين الروس يدركون أن بلادهم لا علاقة لها بذلك الهجوم، لكنهم لا يملكون التحكم فيما يمكن أن يظنه الآخرون.
لكن الأخطر، هو ذلك الاتصال الذى يأتى من جاسوس روسى فى سيناريو «جاكوبسون» وهو يبلغ رؤساءه فى «موسكو» ببدء انطلاق الصواريخ النووية الأمريكية بالفعل فى تلك اللحظات.
يرصد ذلك الجاسوس الروسى فى السيناريو، انطلاق 50 صاروخاً باليستياً أمريكياً عابراً للقارات يحمل كل واحد منها رأساً نووياً وزنه 300 كيلوطن. لا تستغرق تلك الصواريخ أكثر من ثلاث ثوانٍ ونصف للانطلاق، لذلك يطلق على الصاروخ الواحد منها اسم «مينوتمان 3» (أى «رجل الدقيقة» الذى لا يستغرق أكثر من ثوانٍ للانطلاق) وهى معدة للاستخدام فى حالات الطوارئ كما فى حالة الهجوم على الولايات المتحدة، وعادة ما تكون السلاح الأول الذى يتم إطلاقه من الترسانة النووية الأمريكية لأنها تكون هى الأهداف الأضعف: مواقعها ثابتة ومكشوفة ومعروفة بشكل يجعلها ضمن الأهداف الأولى لأى هجوم، لذلك يتم إطلاقها أولاً وسريعاً حتى لا تتعرض للضربات.
فى سيناريو «جاكوبسون» فإن أمريكا تطلق 50 صاروخاً نووياً نحو كوريا الشمالية رداً على هجومها على «واشنطن» و«كاليفورنيا» طبقاً لتعليمات الرئيس الأمريكى الذى لا يعرف أحد مصيره فى تلك اللحظات بعد انطلاق المروحية الرئاسية هرباً من الجحيم النووى الذى يلتهم «واشنطن». لكن الجاسوس الروسى يرصد انطلاق تلك الصواريخ دون أن يعرف وجهتها، هو فقط يقوم بدوره، كما يفعل غيره من الجواسيس فى مواقع أخرى عبر الولايات المتحدة، بمراقبة منصات إطلاق الصواريخ النووية الأمريكية وإبلاغ قيادته عند ملاحظة أى تغيير فى نشاطها المعهود.
الآن يدرك مركز إدارة الدفاع الوطنى الروسى أن الولايات المتحدة الأمريكية أطلقت 50 صاروخاً نووياً بالفعل ولكن ضد من؟ وإلى أين؟.
هنا ستتدخل الأخطاء الدفاعية القاتلة للأنظمة الروسية (كما حدث من قبل فى نظيرتها الأمريكية) لتزيد نيران الحرب النووية اشتعالاً فى سيناريو «جاكوبسون» وتلقى بالعالم كله بوتيرة أسرع إلى الجحيم.
وتنتقل بها «جاكوبسون» فى تلك اللحظات إلى ما يمكن أن يدور داخل عقل الرئيس الروسى وهو يتخذ ذلك القرار.
لكن هذه قصة أخرى.