أطفال غزة يفقدون القدرة على الحياة: كيف نعيش عندما نرى الموت كل يوم؟

كتب: يارا أشرف

أطفال غزة يفقدون القدرة على الحياة: كيف نعيش عندما نرى الموت كل يوم؟

أطفال غزة يفقدون القدرة على الحياة: كيف نعيش عندما نرى الموت كل يوم؟

شبح الموت يخيم عليهم كل ثانية، لم يعد لديهم القدرة على التنقل من مكان لآخر فالطلقات النارية والصواريخ تحيط بهم أينما ذهبوا، يدركون أنهم محاصرون ورغم ذلك لم يستسلموا لليأس، يحاولون النجاة بكل السبل ويبثون الأمل في ذويهم، عامان كاملان عاش خلالهما أطفال غزة في فزع، فلم يقتصر الأمر على حد محاولة النجاة من غارات جيش الاحتلال الإسرائيلي، وإنما امتد إلى العيش في رعب نفسي، فعقولهم الصغيرة بدلا من أن تفكر في كيفية رسم المستقبل، أصبحت تفكر في سؤال واحد: هل سنحيا؟

وثائقيات قطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، عرضت فيلمًا تسجيليا بعنوان: «يحتفظون بدليل الجريمة.. أطفال غزة في متاهة الحرب فاقدين القدرة على الحياة»، تضمّن مشاهد واقعية مؤلمة لأطفال من غزة تأثروا بالحرب، ليس جسديا فقط بل نفسيا.

«أتمنى أن تتحقق هدنة، ونعود إلى بيوتنا» عبارة قالها طفل صغير واصفا بها أبسط أمانيه وهي أن يكون له دارا تؤويه، بينما تبرز خلفه مشاهد الدمار والخراب، وظهر طفل آخر يتأمل سقفًا متشققًا، كما لو كان يحاول قراءة خريطة سرية، لا يحمل في يده لعبة، بل قطعة حديد صغيرة التقطها من مكان انفجار، يحتفظ بها كما يحتفظ الكبار بتميمة.. أو كدليل على جريمة لا يريد نسيانها.

مشاهد كثيرة تدور في رأس الطفل، فبدلا من أن يشاهد أفلام الكرتون، ذاكرته أصبحت ممتلئة بمشاهد عدة، شارع جانبي، عدو يمرّ، ويد تضغط زر التفجير، لا يعرف قوانين نيوتن، لكنه فهم قانون الترقّب: كيف يصمت كل شيء قبل أن يسقط الصاروخ؟ خياله ليس مشهدًا من فيلم، بل متاهة هندسية بُنيت فوق الركام، يحاول فيها إعادة ترتيب مفهوم الأمان، الأطفال في أماكن أخرى يتخيلون أنفسهم أبطالًا خارقين، لكن في غزة.. البطل لا يطير، البطل فقط.. لا يموت.

تقارير نفسية حول الطفل الفلسطيني

تشير تقارير نفسية إلى أن الطفل الفلسطيني يفقد الإحساس بالزمن؛ لا فرق بين ليل ونهار حين يسقط السقف على رأس شقيقته، ولا فارق بين حلم ويقظة حين يرى والده يدفن جاره بينما هو منهمكا في أداء واجباته، في هذه البقعة من العالم، لا يستخدم الطفل خياله للهروب، بل لفهم معادلات مستحيلة: «كيف تعيش حين ترى الموت كل يوم؟ كيف تضحك وأنت تعلم أن الغد قد لا يأتي؟».

«الطفولة في غزة لم تعد كما نعرفها منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، والأرض لا تهدأ، والسماء لا ترحم»، هكذا عبر أطفال القطاع عما يشعرون به، ووفقًا لتقرير أممي صدر في يوليو 2025، تجاوز عدد الأطفال الذين قُتلوا في غزة نحو 18 ألفًا، بينما بلغ عدد من قُتلوا أو جُرحوا أكثر من 50 ألفًا، لكن هذا الرقم لا يحصى سوى الأجساد ولا يختص بالأضرار النفسية التي حفرتها الحرب في عقول الصغار، إذ أصبح الخيال هو ملاذهم الأخيرالذي يجعلهم يتصورن أن بيوتهم ما زالت قائمة وأنهم يلهون مع ذويهم في أمان وبلا خوف.

«أتمنى أن تتوقف الحرب ونعود إلى بيوتنا، نرجع إلى المدرسة ونتعلّم القراءة من جديد»، «ضربوها هنا، لم أكن أصدق ما جرى»، «الآن، لا أستطيع الوقوف، ولا أستطيع فعل أي شيء»، جمل وصف بها أطفال قطاع غزة أمنياتهم وواقعهم المرير، فهم يتخيلون في أذناهم صواريخ تسقط على رؤسهم، جدران تنهار، ملاجئ تُغلق.

تقارير «أنقذوا الأطفال»

تقارير «أنقذوا الأطفال» «Save the Children»، تشير إلى أن 82.8% من أطفال غزة يُعيدون تمثيل مشاهد العنف في ألعابهم اليومية ورسوماتهم، يُعرف هذا في علم النفس بـ«التمثيل الدفاعي»، وهي آلية لا واعية يُعيد فيها الطفل ترتيب المأساة في صورة يتحكّم بها ولو ظاهريًا، اللعب هنا ليس لعبًا، بل محاولة لا واعية للسيطرة على الألم وترويض الفاجعة، لم يعد الطفل الذي نشأ على أصوات القصف يفرّق بين يوم وليلة، بين الأمس واليوم.

تقرير منظمة «A War Child» وثّق شهادات لأطفال يعتقدون أن القصف لم يتوقف منذ شهور، رغم فترات الهدوء، هذه الظاهرة تُعرف بـ«اضطراب التسلسل الزمني»، إذ يُصبح الحاضر مشوَّشًا، والماضي مستمرًا، والمستقبل مغلقًا.

أشارت دراسة لليونيسيف عام 2025، إلى أن 43% من الأطفال يفضّلون الصمت، حتى خلال جلسات الدعم النفسي، لكن الرسم بات وسيلة مقاومة داخلية؛ 67% من الأطفال يرسمون منازل مدمّرة، و58% يستخدمون اللون الأحمر كلون أساسي، أما بيانات مركز غزة للصحة النفسية، تؤكد أن أكثر من 70% من الأطفال يُظهرون أعراض الانسحاب النفسي ونوبات الفزع، الرسم لم يعد نشاطًا فنيًا، بل لغة عصبية بديلة، يسكب فيها الطفل فوضاه العاطفية.

وفي دراسة منشورة في Frontiers in Psychology عام 2019، أظهرت أن الأطفال الذين يعيشون تحت وطأة الصدمة المستمرة، يُظهرون تغيرات بيولوجية عميقة في بنية الدماغ.

تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2025

تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2025، يؤكد أن معظم أطفال غزة يعيشون في حالة تأهّب عصبي دائم، حتى حين يصمت كل شيء، فإن الجهاز العصبي لديهم لا يعرف معنى الأمان «كل ما حول الطفل يُفسَّر كتهديد»، ما تفعله الحرب لا يتوقف عند السلوك أو الشعور، بل يصل إلى لُبّ الدماغ، والنتيجة هي جهاز عصبي يعيش في حالة حرب حتى بعد توقف القصف، وهنا، نصل إلى لبّ الحقيقة: الحرب لا تنتهي حين يصمت السلاح، بل تظلّ تعيد نفسها في العقول الصغيرة، في نوم الطفل، وفي صمته، وفي خياله المشوَّه.

الدراسات طويلة المدى تشير إلى أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئات حرب مزمنة، أكثر عُرضة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب المزمن، واضطرابات الشخصية، وصعوبات التعلّم، والتفاعل الاجتماعي.

تأثير الحرب على المدى الطويل

تقرير منظمة الصحة العالمية يحذّر من أن هذه التأثيرات قد لا تظهر فورًا، بل تمتد لعقود، وقد تؤثر لاحقًا في قدرة هؤلاء الأطفال على الحب، واتخاذ القرار، وبناء مستقبل متوازن.