محمود فوزي السيد يكتب: أن تكوني «أنغام»

كاتب صحفي

سهل جداً أن تخرج علينا مطربة لها من حلاوة الصوت نصيب، ومن الحضور والكاريزما ما يضمن لها مساحة أو دوراً فى صفوف المتنافسات، لكنها تظل دائماً حبيسة تلك المنطقة من المنافسة مع أخريات، تتقدّم أحياناً لبداية الصف، وتتراجع أحياناً أخرى، بحكم عوامل وشروط سوق الأغنية أو ذوق الجمهور.

لكن الأصعب أن تكون أى مطربة من هؤلاء «أنغام»، هذا الصوت الطفولى الذى سمعناه فى البدايات، ولم يكن شبه أى صوت، وهذا سر النجاح. مطربة حاولت منافستها الكثيرات، لكنها لم تدخل يوماً فى منافسة سوى مع «أنغام»، وهذا سر البقاء.. هى ليست مجرد مطربة عادية مرّت على مسامعنا، بل هى تاريخ طويل بدأت كتابته منذ أكثر من ثلاثين عاماً، لم تتراجع يوماً فى معادلة نجاح أو بورصة نجومية، أرى فيها مؤسسة متكاملة وليست فقط مطربة تسعى للوجود. من يتتبع مشوارها الغنائى منذ البدايات يعرف أنها صاحبة مشروع غنائى مرسوم بحرفية شديدة، ولديها القدرة على التغيير فى شكل مشروعها فى أى وقت لخدمة أهدافه، قادرة على التجديد كلما تطلب الأمر، فمن أغنيات البدايات ذات الطابع الطربى الأصيل، مثل «فى الركن البعيد الهادى»، وما تلتها من تجارب، خاصة تلك التى قدمتها كتترات مسلسلات، مثل تتر مسلسل «العائلة» كلمات سيد حجاب وألحان عمار الشريعى، الذى يُعد واحداً من العلامات فى تاريخ الدراما المصرية والعربية، تجدها تخرج إلى عالم أكثر رحابة فى استغلال الأشكال الموسيقية الحديثة مع بداية الألفية بأعمال أكثر حداثة موسيقياً فى ألبوم «ليه سبتها»، الذى حمل بين أغنياته المثال الأشهر لحالة التجديد الموسيقية لأنغام فى هذا التوقيت، وهى أغنية «سيدى وصالك»، التى حقّقت نجاحاً تسبّب فى نقلة موسيقية وفنية كبيرة لأنغام من وقتها، لتتّخذ من هذا التجديد الدائم منهجاً لشكل مشروعها دون الإخلال فى أى وقت من الأوقات بتمسّكها بشرقيتها فى الغناء والحفاظ على ما تميّزت به بين الأخريات من اختيار موضوعات أغنيات تعبّر عن كل حالة عاطفة إنسانية ممكنة، فكان صوتها فى حد ذاته حالة يلجأ إليها الكثيرون للتعبير عما بداخلهم.

ظلت أنغام صوت حلم فى دنيا الواقع لكل من بحث لنفسه عن ملاذ ليسمع حكايته مكتوبة على لحن تغنيه أنغام، ومن هنا كانت نقطة التفرّد لمشروع أنغام الموسيقى عشرات القصص والحكايات تغنيها بصوتها لتُحقق كل يوم نجاحاً أكبر من سابقه بتلك الاختيارات الذكية.

هى «أستاذة» فى انتقاء الموضوعات، وتمتلك بوصلة خاصة فى تحديد حجم نجاح كل حكاية تغنيها. أذكر أن أغنية «بين البينين» لم تكن قد صنعت لها منذ البداية وإنما صنعها الشاعر أمير طعيمة والفنان محمد حماقى فى جلسة خاصة، ولم يكن فى حسابات حماقى أن يغنيها هو نفسه حتى، إلا أنها استمعت إلى الأغنية بالصدفة من الشاعر أمير طعيمة، فخطفت قلبها وطلبت منه أن تغنيها بصوتها، فأخبرها أن اللحن لمحمد حماقى، وعندما طلبت منه اللحن قدّمه لها كهدية، وهو يعرف هو الآخر أن الأغنية بصوتها سوف تكتسب حالة خاصة جداً، وبالفعل غنتها أنغام لتخرج واحدة من أجمل أغنياتها.. وبمرور السنوات اكتسبت أنغام ثقلاً أهّلها بكل سهولة ويُسر للتربّع على عرش الغناء النسائى فى مصر، ولقّبها الجمهور بـ«صوت مصر» تكريماً لتاريخها الطويل فى خدمة مشروع الأغنية المصرية الطويل.

وخلال تلك السنوات حافظت أنغام على شكل حفلاتها، فلم تلجأ يوماً للتغيير فى شكل طلتها أو الاستعانة بعوامل أخرى لنجاح الحفلات، مثل الاستعراضات أو الألعاب النارية أو ما إلى ذلك. ظلت فقط تراهن على صوتها وجمهور حفلاتها ممن يسعون إلى الاستمتاع بغناء طربى أصيل لتتصدّر المشهد وتتحول حفلاتها إلى أيقونة فى دنيا الحفلات فى كل أنحاء العالم العربى.. أنغام الآن تعيش محنة مرض، وهى المعروف عنها أنها أمام كل محنة كانت تختار دائماً أن تواجه وأن تُكمل رحلتها. غنّت فى حفلها الأخير وهى تعانى آلام المرض، وسافرت بعد الحفل بساعات لإجراء عملية جراحية، وأمام ما أعطت لنا من متعة وفن راقٍ فهى تستحق منا الدعاء بالشفاء وأن تخرج من محنتها وتختار كعادتها أن تُكمل وأن تغنى، فالغناء بالنسبة لأنغام هو الحياة.