ديموغرافية الإيجار القديم وتديين الهواء

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

الإيجار القديم، والإيجار الجديد، وأصحاب العمارات وورثتهم، ومستأجرو الشقق وعائلاتهم الممتدة والفئات المستحقة والفئات غير المستحقة، ومن الذى سينفذه، وفى حال رفض المستأجر(ة) الخروج، كيف يتم إخراجه؟ وفى حال احتدم الخلاف بين المالك وورثته، والمستأجر وعائلته الممتدة، من وكيف يتم حسمه قبل أن يتطور؟ وبعد اجتياز مرحلة الصدمة الأولى، ما مصير الشقق التى سيتم إخلاؤها؟ وكيف ستؤثر على سوق العقارات بشكل عام؟ هل ترتفع الأسعار؟ هل تنخفض؟ وهل تتغير التركيبة السكانية فى الأحياء التقليدية؟ من سيشترى الشقق التى ستصبح خالية؟ وكيف سيتم تقييم أسعارها؟ وهل هناك خطر هدم عمارات «شبه أثرية» قد يتم هدمها ليتم تشييد أبراج وكتل خرسانية أعلى لتعظيم الأرباح؟ وأسئلة كثيرة تملأ الأجواء. وكنت أتمنى أن تكون إجاباتها متوفرة إلى حد ما عبر دراسات متعمقة وتوقعات علمية مستشرفة ما ستؤول إليه الأوضاع، لا سيما أن الآثار ليست مجرد إعادة حقوق لأصحاب العمارات، لكن الآثار الاقتصادية المتعددة، وكذلك الديموغرافية والاجتماعية، وبالطبع النفسية كثيرة.

ولأن الشىء بالشىء يذكر، فإن ما يثار على سبيل الضحك على الـ«سوشيال ميديا» عن وجود «مصر» و«إيجيبت»، وساحل «شرير» وآخر «طيب»، وهذا العام فوجئت بساحل «حلال» يروج له البعض، حيث منتقبات يلعبن الكرة ويسبحن ويلهون دون تطفل «الآخرين»!! وكل هذه العلامات والأمارات على تركيبات طبقية، لن أقول معتلة، ولكن سأكتفى بالقول إنها جديدة وجديرة بالدراسة لنعرف على الأقل ما نحن مقبلون عليه.

المسألة ليست مطالبة بتحقيق مساواة إجبارية بين الجميع. لسنا نظاماً شيوعياً، ولسنا -أو هكذا أتمنى- ممن يحترفون مناهضة الطبيعة البشرية. الطبقات والاختلافات أمر طبيعى، ولكن الفروق الرهيبة، والـ«كانتونات» الاقتصادية والاجتماعية، وتعميق فكرة شيطنة كل طبقة للطبقة الأخرى، وهو ما يفتئت عليه البعض على منصات الـ«سوشيال ميديا»، وغيرها أمور غير محمودة العواقب.

وعلى ذكر الـ«سوشيال ميديا»، ليست مصر وحدها التى تستخدمها، وليس المصريون وحدهم الغارقين فيها، وليست «قيم الأسرة المصرية» وحدها الموضوعة على المحك بفعل جانب من المحتوى، وليست الحكومة المصرية دون غيرها الحائرة بين المنع والإتاحة، فى ضوء ما تكشف عنها هذه المنصات، وغيرها من أدوات العصر الرقمى على مدار اليوم، وأحياناً على مدار الساعة، من استخدامات لم تكن على بال أو تطرأ على خاطر.

«قيم الأسرة المصرية»، تلك العبارة «البلاستيك» الـ«الأستيك» (المطاطة)، وفى الوقت نفسه الـ«ستاتيك» (الجامدة الساكنة)، تحتاج تعريفاً، خصوصاً أن قطاعات عريضة تعتبر «قيم الأسرة المصرية» لا تحتوى إلا ديناً وتديناً، ولذلك حين تثار مسألة تعرض «قيم الأسرة المصرية» للخطر، تهب الجموع الغفيرة للمطالبة بمزيد من الدين والتدين، بالمعنى الشعبوى لهما. ويلاحظ أن مؤسسات دينية تهب لـ«نجدة» قيم الأسرة المصرية وحدها، فتتوسع أنشطتها، وتتمدد خططها لمزيد من تديين الهواء المحيط من تعليم وثقافة وفضاء داخلى وفضاء خارجى، وهو التمدد الذى يثنى عليه البعض، فى حين يعتبره البعض الآخر -وهم بالمناسبة ليسوا كفاراً أو فاسقين والعياذ بالله- خلطاً غير محمود العواقب للتخصصات، وتداخلاً يصعب «فرملته» وقت اللزوم، رغم ما له من آثار تلطيفية وتسكينية. وبمناسبة الخلط بين الدين والدنيا، وهو خلط كان صحياً حتى السبعينات ما انعكس إيجاباً على الأخلاق والسلوك والقيم، مع عدم توغل العنف بأنواعه بحجة التدين الشديد، فإن ما يجرى فى غزة من مأساة متصاعدة يتجرع المزيد من المرارة بفعل نجاح تحول الصراع العربى الإسرائيلى من قضية احتلال إلى صراع دينى. رمى «أحدهم» الطعم، وسارعنا لالتقاطه بكل ما نملك من قوة وبأس.

المكون الدينى من حيث المقدسات والمرجعيات اليهودية والإسلامية، وسردية المحتل لـ«أرض الميعاد»، وتبرير كل الأفعال فى ضوء حتمية تحقيق نبوءات دينية، حاضر قبل أن تكون هناك دولة اسمها إسرائيل، ورغم ذلك ظلت مقاومة الاحتلال، والدفاع عن الحقوق ترفع راية التحرير لا الجهاد. لم نسمع مثلاً عن رفض ضلوع متطوع مسيحى فى صفوف المقاومة العربية لأن الصراع إسلامى يهودى.

تديين الصراع أضر بالطرف العربى، وفى القلب منها الفلسطينى، أكثر من الطرف الآخر، وهو الذى ألقى بالطعم. لم نلعبها بذكاء. ابتلعنا الطُعم القاتل بكل حماس وإثارة، ونزعنا ثوب رفض الاحتلال، وارتدينا جلباب «خيبر خيبر».

فى حديث عابر مع مجموعة من الشباب قبل أيام، فوجئت بصدمة طاغية فى عيونهم حين علموا أن صفوف المقاومة العربية الأولى ضد الاحتلال احتوت على عرب مسيحيين، سأل أحدهم: معقول؟ ولماذا ينضم مسيحى للمقاومة؟ وللعلم، هذه المجموعة من الأصدقاء خليط من المسيحيين والمسلمين.

ألا يستحق الأمر بعضاً من تفكير وتدبير؟!