جوع لا يُرى واحتلال لا يخجل: صرخة غزة في وجه العالم

عبير فتحي

عبير فتحي

كاتب صحفي

شر البلية ما يُضحك، ولكن البلية الإسرائيلية لا تُضحك، بل تُدمى القلب وتُسيل الدموع دماً على هذه الوقاحة وهذا الاستفزاز، وعذراً على كلمة «وقاحة»، فهى إذا قورنت بما تفعله إسرائيل تُعتبر كلمة جميلة لا تليق بوصف ما يجرى.

ما هذا الاستفزاز من المسئولين الإسرائيليين الذين يبكون ويصرخون على مشهد أسير إسرائيلى جائع، ويتهمون الفلسطينيين بالنازية واللاإنسانية؟ وكأنهم لم يروا مئات الآلاف من الجوعى فى غزة، ولم يروا الأطفال الذين ماتوا جوعاً، وتحولت أجسادهم إلى هياكل عظمية أثارت رعب وفزع العالم بأسره. كل هذا لا يرونه! لم يروا إلا أسيرين فقط من بين الأسرى، وكأن الأسرى الإسرائيليين بشر، والفلسطينيين حيوانات! بل حتى لو كانت الحيوانات تموت جوعاً، لاهتز لها الضمير العالمى، فكيف حين يكون الضحية إنساناً؟!

الكارثة والاستفزاز الأكبر هو أن من يحاول من الفلسطينيين أن يحصل على قوت يومه، ويقف فى الطوابير، ويجرى، ويلهث للحصول على الطعام، يُطلق عليه الرصاص! إسرائيل حوّلت نقاط توزيع المساعدات إلى مصائد، تصطاد بها من يذهب بحثاً عن لقمة تسدّ جوعه. وكم قال أحد أبناء غزة: «إما أن نعود إلى أهلنا بكيس أبيض فيه دقيق، لننقذ أبناءنا من الجوع، أو نعود بكيس أبيض نُكفن فيه».

هل يُعقل أن يدخل إلى غزة القليل القليل مما لا يسد رمق الجائعين؟! أين الضمير العالمى؟ وأين ترامب الذى يُصدع رؤوسنا بتصريحاته عن استيائه من جوع الفلسطينيين، ويقول إن هذه المشاهد يجب ألّا تمرّ؟ يقول إنه تبرع بالملايين لغزة... ولكنه لا يفعل شيئاً! أقوال بلا أفعال!

والمبكى أن الطعام لم يعد وسيلة للبقاء فقط، بل وسيلة للقتل أيضاً. تسقط المساعدات بالمظلات فوق الخيام الفلسطينية لتقتل من فيها. يموتون وفوق رؤوسهم الطعام الذى حُرموا منه.

فى غزة، لم يعد الجوع استثناء، بل صار نظاماً مفروضاً بدقة عسكرية، جزءاً من حياة تتآكل يوماً بعد يوم تحت صمت العالم وتواطؤ التاريخ. هناك، حيث يقف البحر عاجزاً عن إشباع طفل، وحيث تتناثر على الأرصفة ظلال أمهات يخبزن الحصى فى قدور الألم.. يخوض الفلسطينى معركة البقاء بلا طعام، بلا دواء، بلا كهرباء.. وبلا وجهة يلوذ بها من وحشية الاحتلال.

تتحدث إسرائيل، ببرود يشبه موت الضمير، عن «تجويع الأسرى الإسرائيليين» لدى المقاومة، بينما تُغلق فى اللحظة ذاتها المعابر المؤدية إلى أكثر من نصف مليون إنسان فى القطاع، وتتحكم فى شرايين الحياة كمن يقرر من يسمح له أن يتنفس، ومن يجب أن يموت جوعاً.

أى مفارقة أكثر فظاعة من أن يتهم الجلاد ضحيته بالجريمة التى يرتكبها علناً؟! حين تتهم إسرائيل الفلسطينيين بتجويع الأسرى، فإنها تحوّل الكارثة إلى مسرحية عبثية، يكتبها المحتلّ بيده، ويجبر الضحية على تأديتها... بينما العالم يصفّق للنص دون أن يقرأ تفاصيله.

من يتحكم فى الطرقات فى غزة؟ من يقرر إن كان المريض سيصل إلى المستشفى؟ أو إن كان الرضيع سيحصل على جرعته من الحليب؟ إنها إسرائيل، التى تتفنن فى إدارة الحصار، وتخنق الهواء عن مدينة بأكملها، ثم تتحدث عن «الحق فى الدفاع عن النفس»! أى دفاع هذا الذى يتطلب منع الغذاء عن الأطفال؟ أى أمنٍ يتحقق على أنقاض الأرواح المرهقة من القصف والجوع؟

إنه الجوع حين يُستخدم كسلاح. ليس جوع الفقر، بل جوع القصد، جوع القرار، جوع الاحتلال المتعمد.. حيث تحاصر مدن كاملة، ويُترك الناس ليموتوا ببطء، دون قنابل، بل تحت وقع الملاعق الفارغة والبطون الخاوية.

وتبقى كلمة: إنها غزة.. تقاوم حتى الجوع، بصمود لا يعرفه إلا من جاع يوماً من أجل كرامته، ومن أجل حريته.