رحاب لؤي تكتب: الحياة وفق «متلازمة المحتال»
أرسلت لى صديقتى رسالة قصيرة تقول: «لقد حان دور روايتك على قائمتى، متشوقة لقراءتها»، كتبت لها سريعاً: «سوف أتفهم إن لم تعجبك، أعلم أنك لست مهتمة بقراءة الروايات، خاصة إن كانت أجواؤها كأجواء روايتى، لو شعرتِ بالملل توقّفى فوراً، وإن لم ترغبى فى استكمالها، سأتفهم»، لكننى شعرت بأن الرسالة مبالغ فيها، لذا مسحتها سريعاً، ثم عُدت لأقول لها: «أخشى ألا تعجبك.. إن وجدتِها سيئة فقط أخبرينى»، لكن ردها جاء عجيباً وغير متوقع، حيث كتبت لى جملة قصيرة تقول: «من فضلك توقفى عن متلازمة المحتال».
الحق أننى لم أكن أعرف شيئاً عن تلك المتلازمة حتى لفتت نظرى إليها صديقتى التى تخصّص جهدها وتركيزها فى الكتابة عن الموضوعات الاقتصادية وتطوير الذات، بحثت حول الأمر، وفُوجئت بما وجدت، هذه قصة حياتى وحياة كثيرين، ممن يرون أنفسهم غرباء عما وصلوا إليه، يعتقدون فى قرارة أنفسهم أنهم محتالون، وأن أى شىء أحرزوه، رغم كل التعب والجهد والتخطيط والتفكير، مجرد ضربة حظ، وأنهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة الكفاءة والإجادة الكافية التى تمنحهم ما يكفى من الثقة فى النفس.
متلازمة المحتال تلك التى تجعلك طوال الوقت تشعر بأن ما قدمته قليل، وأنك ربما تكون ضئيلاً جداً، بعكس تلك الصورة التى تعكسها عيون الآخرين، صعوبة من نوع خاص يواجهها المرء فى التعرف على مزاياه الخاصة، وخوف متواصل من عدم الارتقاء إلى مستوى توقّعات الآخرين، يحدث هذا حين لا تتطابق هوية المرء الحقيقية مع الهوية الموجودة داخل عقله، فيشعر بأنه أسوأ بكثير مما هو عليه فى الواقع، لكن الأمور لا تتوقف عند ذلك الحد، فبحسب المعالجة النفسية الإسبانية إيزابيل أراندا فإن مواصلة الحياة والعمل تحت وطأة متلازمة المحتال تجعل المرء غير قادر على إدراك ما هو قادر فعلاً على تحقيقه، وتمنحه شعوراً متواصلاً بأنه ليس جديراً بما حقّقه فعلاً، هكذا يفرط المرء فى العمل، واستخدام آليات تعويضية تؤذى صحته، ويصاب فى النهاية بالقلق والاكتئاب.
لكن ما لم تذكره الطبيبة الإسبانية، وما لا تعلمه صديقتى العزيزة أن أسوأ ما فى الإصابة بـ«متلازمة المحتال» هو اللحظات التى يضطر فيها المصاب مع آخر مصاب بمتلازمة «دانينع كروجر» تلك المتلازمة التى يبالغ أصحابها فى تقدير أنفسهم دون معرفة حقيقية، ثقة ضخمة مقابل حكمة ومعرفة منخفضتين، والنتيجة شخص منتفخ الذات يرى نفسه «نابغة» ويملك ما يكفى من الثقة -غير المبرَّرة- بالنفس، للدرجة التى تنتقل عدواها إلى المحيطين، فيمنحونه إجلالاً واحتراماً وتقديراً، وربما تكريماً من دون أثر حقيقى.
هذه حقيقة أثبتها الكثير من الدراسات، أبرزها تلك التى نُشرت عام 2021 فى مجلة كلية الدراسات العليا للفنون والعلوم باليابان، حيث توصل باحثون يابانيون إلى أن الأفراد ذوى المعرفة المهنية الأقل يمكنهم تحقيق أداء عملى أكبر من أولئك الذين يمتلكون معرفة مهنية أكبر، لأن الأخيرة تعانى تشتّت الانتباه، وتبذل جهداً إبداعياً فى اتجاهات مختلفة، فى محاولة لإثبات متواصل للذات، ما يُقلل تركيزها على مهمة بعينها.
الحقيقة المرّة التى يجب أن يواجه بها المرء نفسه من حين إلى آخر أن عدم إدراك الأكفاء لحقيقة أمرهم، وكذلك عادة ما ينكر الأكفاء أنهم كذلك، يعتبر قصوراً شديداً فى القدرة على استيعاب الأمور على حقيقتها، ولا أحد يدرك أنه عكس ما يعتقد، لتبقى المأساة مستمرة بين موهوبين يعتقدون أنهم لا يملكون ما يكفى بعد ليثقوا فى أنفسهم وينطلقوا حقاً، وبين موهومين يواصلون التأكيد على أنهم جاءوا بما لم يأتِ به الأوائل.