نتنياهو.. المضي نحو هاوية الصدامات

لينا مظلوم

لينا مظلوم

كاتب صحفي

ما زالت العقلية الصهيونية التى تحكم اليمين الإسرائيلى المتطرف عاجزة عن التقاط مسارات السياسة الخارجية لمصر.

منطق التطرف الأهوج الذى تصر على المضى فيه لا يستوعب أن القيادة السياسية فى مصر نجحت منذ 2014 فى رسم معالم سياسة خارجية وضعت مصر كمعادلة أساسية فى إدارة وتحديد المشهد العربى أمنياً وسياسياً.

سياسة رصينة أساسها التعقل والحكمة فى سعيها لتثبيت حلول واقعية هى فقط من شأنها تحقيق استقرار دائم فى المنطقة بناء على الثوابت المصرية.. إقامة دولة فلسطينية، رفض التهجير، إعادة إعمار غزة فور إعلان وقف إطلاق النار.

مسار لا يوافق مزاج وخطط الحكومة الإسرائيلية الحالية رغم تفاصيل المشهد الحالى داخل الكيان الصهيونى من انقسامات، سواء على الصعيد الشعبى أو تلك الجارية بين المؤسسة السياسية والأمنية، بل إنها حتى امتدت إلى خلافات داخل كتلة اليمين الإسرائيلى المتطرف.

رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو اعتمد، منذ بدء المفاوضات مع «حماس» برعاية مصرية - قطرية، على ورقة المناورة لإعاقة كل محاولات الوصول إلى تسوية متوازنة لحقن الدماء وعودة المحتجزين.

بل إنه أعلن صراحة تأييد ما يردده وزير المالية سموتريتش عن فكرة محو وجود دولة فلسطينية، ما يتسق مع موافقة الكابينت الإسرائيلى على خطة احتلال قطاع غزة إرضاء لوزير الأمن القومى بن غفير ووزير المالية سموتريتش لضمان عدم انهيار الائتلاف الحزبى الذى يُبقى نتنياهو على كرسى رئاسة الوزراء.

احتلال غزة وتهجير سكانها إلى الجنوب مناورة مكشوفة كخطوة مبدئية لتنفيذ سيناريو التهجير القسرى وإفراغ القطاع من الشعب الفلسطينى.

قرار الاحتلال أكمل كل معالم عزلة إسرائيل التى تزداد وتيرتها من جانب دول الغرب، كما تراجعت نبرة الإصرار على ملف الإفراج عن المحتجزين إلى مناشدات دولية لإنقاذ سكان قطاع غزة من جرائم الحرب والإبادة الجماعية التى يتعرضون لها، تحديداً مع فشل حكومة الكيان الصهيونى فى تحقيق أى من أهدافها المعلنة، سواء فى مسار استعادة المحتجزين أو اجتثاث حركة حماس، رغم تأثر الحركة تنظيمياً مع اغتيال العديد من قادتها، بالإضافة إلى تضييق مصادر الحصول على التسليح.

لكن وفق تعريفات الاستراتيجية العسكرية حروب الشوارع مع تنظيمات أو حركات لا تعنى اجتثاث نشاطها حتى إن استمرت هذه الحروب عامين، إسرائيل لم يعد لديها القدرة العسكرية ولا البشرية على المضى لفترة أطول فى مسار التشبث الجنونى لنتنياهو بالسلطة، إذ يبلغ العدد المطلوب لتنفيذ خطة احتلال غزة استدعاء 250٫000 جندى احتياطى، مع إشكالية اجتماعية دينية تشكل عائقاً فى ملف رفض جماعة الحريديم التجنيد تحت ذريعة الانشغال بدراسة تعاليم التوراة واستمرار مسلسل الاشتباكات مع الشرطة تعبيراً عن رفضهم قانون تجنيد أفراد جماعتهم.

بالإضافة إلى الاستقطاب السياسى الحاد الذى يعم الشارع الإسرائيلى وفقد الدعم الأوروبى، بدأت أصوات معارضة للممارسات الإسرائيلية تصدر عن حركة ماجا وأعضائها الداعمين للرئيس الأمريكى ترامب.

صحيح أنها ما زالت غير مؤثرة بشكل ملموس على سياسة الإدارة الأمريكية، لكنها تحمل مؤشراً مهماً يضاف إلى تقلص تعاطف الرأى العام الأمريكى مع إسرائيل، حتى وصل فى آخر الاستطلاعات إلى أدنى مستوى، نتنياهو -إرضاء لأعضاء اليمين المتطرف داخل الكابينت- يفصل قراراته السياسية متجاهلاً كل تقديرات قياداته العسكرية التى صرَّحت علانية أن خطة احتلال غزة ستعرِّض حياة المحتجزين للخطر وتقوِّض فرص إعادتهم أحياء، بالإضافة إلى توقع سقوط عدد كبير من القتلى فى صفوف الجيش الإسرائيلى، يمضى رئيس وزراء الكيان الصهيونى نحو هاوية الاصطدام بكل القوى -على رأسها مصر خارجياً مع عجزه عن احتواء التفكك الشعبى والحكومى الذى يسود المشهد الإسرائيلى- أملاً فى استخدام كل ما يملك من أوراق لتأجيل الاتفاق على اليوم التالى الذى يفرض مشروع قيام الدولة الفلسطينية المرفوض حالياً من حكومة الكيان الصهيونى.