«جورج عبدالله» يعود إلى لبنان بعد 40 عاما في سجون فرنسا: القضية الفلسطينية لن تموت
«جورج عبدالله» يعود إلى لبنان بعد 40 عاما في سجون فرنسا: القضية الفلسطينية لن تموت
بعد أكثر من أربعة عقود من الألم والغربة خلف القضبان، يعيد «جورج عبدالله» كتابة فصول جديدة من نضاله السياسى والإنسانى، ففى فجر يومٍ مشهود بتاريخ لبنان، عاد بطل قصة أطول حالة احتجاز سياسى فى تاريخ أوروبا الحديث، إلى الحياة مرة أخرى، حاملاً معه ذكريات عقود من الزمان مرت عليه خلف القضبان، ولكنه بدا مفعماً بروح الأمل، والعزم على استعادة حقوقه ووطنه، فى لحظة ينظر إليها غالبية اللبنانيين، بل والملايين من المدافعين عن القضية الفلسطينية، على أنها ترمز إلى «النصر على الظلم»، وتعيد للناظرين الإيمان بأن «النضال لا يموت».
ففى فجر يوم الجمعة 25 يوليو، وتحديداً فى تمام الساعة 3:40 صباحاً، أطلقت السلطات الفرنسية سراح جورج إبراهيم عبدالله، البالغ من العمر 74 عاماً، من سجن «لانميزان» فى جنوب فرنسا، وعلى الفور تم نقله جواً من مطار مدينة «تارب» المجاورة، إلى مطار «شارل ديجول» فى العاصمة باريس، حيث جرى وضعه على متن إحدى الطائرات التابعة للخطوط الجوية الفرنسية، أقلعت فى الساعة 9:30 صباحاً، نقلته مباشرةً إلى مطار «رفيق الحريرى» فى العاصمة اللبنانية بيروت، حيث كان فى استقباله مئات اللبنانيين.
ونقلت صحيفة «لوموند» عن المحامى جان لويس شالانسيه، الذى تولى الدفاع عن «المناضل اللبنانى»، الذى أمضى 41 عاماً خلف القضبان فى السجون الفرنسية، قوله: «إنها لحظة فرح وصدمة عاطفية ونصر سياسى بعد كل هذا الوقت، كان يجب أن يُطلق سراحه منذ سنوات»، وأضاف أن «عبدالله» بدا سعيداً جداً بإطلاق سراحه، رغم إدراكه أنه يعود إلى الشرق الأوسط فى ظل أوضاع شديدة الصعوبة، يعانى منها اللبنانيون والفلسطينيون.
ولد جورج عبدالله فى بلدة «القبيات»، شمال لبنان، وكان أحد مؤسسى «الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية»، وهى مجموعة ماركسية ارتبطت بالقضية الفلسطينية والقومية العربية، وخاضت نضالاً طويلاً لطرد القوات الأجنبية من لبنان، لا سيما قوات الاحتلال الإسرائيلى، وفى عام 1984، تم إلقاء القبض على الشاب اللبنانى، الذى كان يبلغ من العمر 33 عاماً، بتهمة «التواطؤ» فى اغتيال الملحق العسكرى الأمريكى تشارلز روبرت راى، والدبلوماسى الإسرائيلى يعقوب بارسيمانتوف، فى باريس، ورغم نفيه المشاركة فى تنفيذ الاغتيالات محل الاتهام، فإن إحدى المحاكم الفرنسية أصدرت حكماً عليه بالسجن المؤبد، فى عام 1987.
ووفقاً لوسائل إعلام فرنسية، فقد أنهى «عبدالله» مدة عقوبته فى عام 1999، ما يتيح له حق طلب «الإفراج المشروط»، إلا أن جميع الطلبات التى قدمها محاموه، والتى بلغت 12 طلباً، رفضتها السلطات الفرنسية تحت ضغوط سياسية متكررة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، كما أن الأحكام القضائية التى حصل عليها فى أعوام 2003 و2013 و2014، والتى تقضى بالإفراج عنه، تم تعطيل تنفيذها لأسباب سياسية.
وجاء الإفراج عن «المناضل اللبنانى» يوم الجمعة 25 يوليو 2025، بموجب قرار من محكمة الاستئناف، بتاريخ 17 يوليو، بشرط مغادرته الأراضى الفرنسية على الفور، وهو ما جرى بالفعل، وعند وصوله إلى بيروت، تم تسليم «عبدالله» إلى عهدة السلطات اللبنانية، التى تولت نقله إلى قرية «القبيات»، حيث كان الآلاف فى استقباله، ليس فقط باعتباره رجلاً عاد إلى الحياة المدنية، بل كشخصية وطنية لها دلالات رمزية، بحسب الناشطة اللبنانية كاترين ضاهر من «الحملة الوطنية لتحرير جورج عبدالله».
وقالت «ضاهر» وهى صحفية لبنانية معروفة: «نحن نُعد لاستقباله منذ عام 1999، منذ أن أنهى مدة محكوميته رسمياً، واليوم نحن نشهد لحظة انتصار طال انتظارها»، وأشارت إلى أن الاستقبال تضمن شخصيات رسمية وزعامات سياسية وأفراد عائلته، إلى جانب ممثلين عن الحملة الوطنية، وطلاب، ونقابيين، وناشطين فى مجال حقوق الإنسان، وشخصيات ثقافية وإعلامية، فضلاً عن متضامنين من فرنسا وخارجها.
وفى الوقت الذى سارع فيه «الحزب الشيوعى اللبنانى» إلى الترحيب بإطلاق سراح جورج عبدالله، واصفاً إياه بـ«مناضل المقاومة»، الذى لم يتنازل عن مبادئه رغم 40 عاماً خلف القضبان، كما أن «حزب الله» وصفه بأنه «بطل المقاومة»، و«رمز لكل أسير ومناضل شريف، رفع راية الكرامة فى وجه الطغاة»، فقد التزمت بعض القوى السياسية المسيحية الصمت، ومنها حزب «القوات اللبنانية»، وحزب «الكتائب»، دون صدور أى بيان بشأن عودته.
ويفسر رمزى أبوإسماعيل، المحلل السياسى والخبير فى علم النفس الاجتماعى، هذا التباين فى مواقف القوى اللبنانية، بأن «عبدالله»، رغم خلفيه المسيحية، لم يجسد الانتماء الطائفى الذى تروج له تلك الأحزاب، بل اختار الانحياز إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلى فى فلسطين ولبنان، ورفض أى تصنيفات طائفية، وفى تصريح مقتضب لتليفزيون «فرنسا 24»، قال شارل جبور، رئيس جهاز الإعلام والتواصل فى حزب «القوات اللبنانية»، إن «الإفراج عنه يُسهم رمزياً فى إغلاق صفحة الحرب الأهلية، لقد أنهى محكوميته وتم إطلاق سراحه، وينبغى أن نطوى نهائياً صفحة الحرب».
ورغم الأهمية الرمزية لإطلاق سراح «عبدالله»، صاحب أطول حالة احتجاز سياسى فى أوروبا، فإن عودته لم تُحدث ضجة كبيرة بين أوساط الشباب اللبنانى، الذين ينشغلون اليوم بأزمات أكثر إلحاحاً، مثل الانهيار الاقتصادى، والشلل السياسى، والهجرة الجماعية، فالكثير من الجيل الجديد لم يعايش زمن الحرب الأهلية، ولا يعرف الكثير عن اسم «عبدالله» ودوره فى تلك المرحلة، ومع ذلك، بدأت صور «المناضل اللبنانى» تنتشر مجدداً على الملصقات، ومواقع التواصل الاجتماعى، ليس كـ«متهم» أو «مدان»، بل كـ«رجل تمسك بمبادئه السياسية والفكرية، رغم سنوات السجن الطويلة».
وبينما قال أحد المؤرخين اللبنانيين، طلب عدم الكشف عن اسمه: «بالنسبة للبعض، هو بطل، وللبعض الآخر ليس كذلك، أما الأغلبية فلا تعرفه أساساً لأنه من زمن لم يعيشوه»، اختتمت الصحيفة الفرنسية تقريرها القول إن «عبدالله» يعود إلى لبنان، وهو فى عمر 74 عاماً، ليس كمواطن عادى، بل كـ«أيقونة نضالية»، وأضافت أن خروجه من السجن بعد 41 عاماً خلف القضبان، سوف يفتح النقاش من جديد حول مفاهيم «العدالة والسيادة والنضال والمقاومة»، ليس فى لبنان وفرنسا فقط، بل فى كثير من المناطق الأخرى حول العالم.