يسرا زهران تكتب: حرب الغواصات النووية.. الهلاك ينطلق من أي مكان

كاتب صحفي

هذا كتاب عن الحرب التى يحسب الكل حسابها دون أن يجرؤ أحد على تخيل تفاصيلها.

إنها الحرب العالمية القادمة التى لو قامت، فلن تقوم للعالم بعدها قائمة، لأنها ستكون «حرباً نووية». كلمة مفردة لن تقبل الجمع، عن حرب «وحيدة» لا تتكرر فيها الأحداث، «أخيرة» لا مجال فيها للتعلم من أخطاء الماضى، يتوقف بها سير الزمن، لا يربح فيها أحد، ولا تنتهى إلا بنهاية الحياة البشرية على الأرض.

«الحرب النووية» كان عنوان أحدث كتاب للصحفية الأمريكية البارزة «آنى جاكوبسون» المرشحة للحصول على جائزة «بوليتزر»، أعلى الجوائز الدولية فى مجال الصحافة الجادة. ذهبت فيه حيث لا يجرؤ الآخرون على الاقتراب، لترسم للجميع سيناريو يكاد يكون واقعياً لما يمكن أن يحدث خلال الحرب النووية. سيناريو يقوم على المعلومات والوقائع، وإن دارت أحداثه المتخيَّلة بين أروقة القيادة الدفاعية الأمريكية والبيت الأبيض و«الكرملين» فى روسيا، فى مشاهد تُظهر تخبط أصحاب القرار العالمى ساعة الجد، ومشاهد مفزعة أخرى تصف كل ما يمكن أن يحدث فعلاً للمكان والبشر خلال الهجوم النووى.

أرادت «جاكوبسون» أن يكون كتابها مرتكزاً على الحقائق لا على الأوهام، فعقدت لقاءات مع وزراء دفاع سابقين، ومسئولين فى مراكز قيادية فى الجيش الأمريكى وأجهزة المخابرات والأمن الرئاسى فى البيت الأبيض. لم تكتبه بمنطق أفلام «هوليوود» التى تتخيل كارثة نووية لا يقدر على إيقافها إلا بطل الفيلم، بل أرادت أن تثبت بالأدلة القاطعة أن الطريق الذى يسير فيه العالم الآن فيما يتعلق بالتسليح النووى، لا يمكن أن يوجد فيه رابح ولا «بطل».

فى السيناريو الذى رسمه الكتاب الأمريكى للحرب النووية الوحيدة والأخيرة، لا تستغرق نهاية العالم أكثر من 72 دقيقة، تنتهى فيها الحياة فى نصف الكرة الأرضية الشمالى، بينما يتآكل ما يتبقى من سكان الأرض فى خراب مؤلم وموت بطىء.

وحول تفاصيل هذه الدقائق الأخيرة للعالم تدور أحداث هذا الكتاب.

فى الأسابيع الأخيرة، عادت رائحة التوتر النووى تفوح من التراشق الكلامى بين الكبار فى الولايات المتحدة وروسيا.

..

الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» أعلن أنه «سوف يعيد نشر غواصتين نوويتين من الغواصات الأمريكية فى المناطق المناسبة» رداً على كلام لم يعجبه من الرئيس الروسى السابق ونائب رئيس مجلس الأمن الروسى الحالى «ديميترى ميدفيديف». وأضاف «ترامب»، فى تصريحه على منصة «تروث سوشيال»: «لقد أصدرت قرارى بوضع غواصتين نوويتين فى المناطق الملائمة تحسباً لأن تكون هذه التصريحات المستفزة والحمقاء (أى تصريحات «ميدفيديف») لا تقتصر على كونها مجرد تصريحات. إن الكلمات مهمة للغاية، ويمكن لها أن تؤدى لتداعيات غير مقصودة. أرجو ألا تكون هذه واحدة من تلك الحالات».

ليس «ترامب» وحده من يتمنى ذلك، لكن العالم كله يتمنى معه ألا تخرج الأمور عن السيطرة وسط ذلك التراشق والتلاسن والتلاعب المحطم للأعصاب بين اثنتين من القوى النووية العالمية العظمى، اللتين تملك كل واحدة منهما القدرة على تدمير الأخرى، وتدمير العالم كله من ورائها، لو انفلتت الأمور إلى حد إشعال حرب نووية بين الجانبين.

«ميدفيديف» أطلق تصريحاته ضد «ترامب» على خلفية التوتر الناجم عن تأخر حل الصراع الروسى الأوكرانى، بعد أن أعطى الرئيس الأمريكى «مهلة» للرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» لإنهاء الحرب مع أوكرانيا، وإلا فإنه سوف يفرض عقوبات جديدة على روسيا. لم يظهر «بوتين» فى الصورة ليرد على «ترامب»، لكنه ترك نائبه السابق «ميدفيديف» يمارس هوايته فى إطلاق التصريحات النارية ضد زعماء الغرب، ويوصل رسالة للولايات المتحدة عبر حسابه على منصة «إكس» قائلاً: «إذا كان «ترامب» يلعب لعبة توجيه الإنذارات النهائية إلى روسيا، فعليه أن يتذكر أمرين: الأول هو أن روسيا ليست إسرائيل أو حتى إيران، والثانى هو أن أى إنذار يُطلقه يساوى تهديداً وخطوة فى اتجاه إشعال الحرب، لا بين روسيا وأوكرانيا، ولكن مع بلاده (أى الولايات المتحدة) نفسها».

وبالطبع، ولأن «ترامب» بدوره هو خصم لا يستهان به فى لعبة التصريحات النارية، هاجم الرئيس الأمريكى «ميدفيديف» الذى وصفه بأنه «الرئيس السابق الفاشل لروسيا»، قائلاً عن تصريحاته: «إنه لا بد عليه أن يراقب ما يقول، لأنه يدخل إلى منطقة شديدة الخطورة».

لكن «ترامب»، بقراره بإعادة وضع الغواصات الأمريكية النووية فى «المناطق الملائمة» (أى باختصار روسيا كما رأى المراقبون) نقل الأمور من مرحلة التراشق اللفظى إلى مرحلة التحركات الفعلية على الأرض. من أيَّدوا تصريحاته وتحركاته رأوا أن الرئيس الأمريكى قد قرر أخيراً أن يلعب نفس لعبة الرئيس الروسى، التى لا تتردد فى التلويح بالخيار النووى فى حالة عدم الاستجابة لمطالبها أو لضغوطها فى الأزمات الدولية، وأن قراره الخاص بنشر الغواصات النووية الأمريكية يختلف اختلافاً جذرياً عن النبرة المطمئنة التى كان يتحدث بها فى الأسابيع الماضية، وهو يقول إنه حريص على إيجاد طريقة لإبقاء الحدود والقيود المفروضة على استخدام الولايات المتحدة وروسيا لأسلحتهما النووية بعيدة المدى فى الوقت الذى شارفت فيه معاهدة «ستارت» الجديدة الخاصة باستخدام الأسلحة النووية بين «واشنطن» و«موسكو» على الانتهاء فى فبراير المقبل.

هذا إذن وقت يجلس فيه العالم على أعصابه بانتظار تجديد بنود هذه المعاهدة المصيرية بين القوتين الكبيرتين، ويطالب فيه أنصار الحد من انتشار الأسلحة النووية كلاً من الولايات المتحدة وروسيا بمزيد من المفاوضات الجادة لتحجيم إمكانية لجوء البلدين لاستخدام الأسلحة النووية، ومنع أن يؤدى أى احتكاك أو توتر بينهما إلى صدام لا تُحمد عقباه بين الترسانة النووية الأمريكية ونظيرتها الروسية، التى يعرف الكل أنها لو انفتحت بمقدار شعرة، فستنفتح معها أبواب الجحيم على العالم بأكمله.

إلا أنه بعيداً عن التراشق والتلاسن والتوتر، فإن «الخبراء» لم يفهموا معنى ولا جدوى قرار «ترامب» بوضع الغواصتين النوويتين فى «المناطق المناسبة»، لأن الغواصات النووية، فى أماكنها التى يصعب أن يعرفها أحد فى أعماق البحار والمحيطات، قادرة -كما يعلم الكل- على توجيه ضرباتها من أى مكان لأى مكان على الخريطة من خلال إطلاق صواريخها النووية الباليستية العابرة للقارات، أى أنها لا تحتاج للتمركز بالقرب من أهدافها لضربها، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية لقوتها وخطورتها معاً.

إلا أن بعض المسئولين السابقين فى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) افترضوا أن الرئيس الأمريكى قد يعنى بكلامه وضع الغواصات النووية الأمريكية فى مناطق قريبة من روسيا حتى يتم استخدامها لتوجيه ضربات للغواصات النووية الروسية ومواقعها الاستراتيجية فى حالة اشتعال الصراع بين البلدين.

وكانت تلك الأحداث السابقة التى تجرى فى عالم الواقع اليوم، تجد صدىً مخيفاً لها بين صفحات كتاب «آنى جاكوبسون» عن سيناريو الحرب النووية، الذى ستلعب فيه الغواصات النووية الروسية والأمريكية الدور الحاسم والمحورى فى نهاية الحياة على الأرض.

السبب الأساسى هو أن هذه الغواصات هى الوحيدة القادرة على أن تختفى فى أعماق البحار والمحيطات دون أن يقدر أحد على تحديد موقعها بدقة، على العكس من سلوات الصواريخ الباليستية النووية مثلاً التى تكون ثابتة ومعروفة على الأرض ويمكن بسهولة تحديد موقعها وضربها، بشكل يجعلها أول ما يكون «خارج الخدمة» لو اندلعت الحرب النووية. تلك الغواصات النووية مسلحة بصواريخ عابرة للقارات، يمكن لها إطلاقها من أى مكان توجد فيه ضد أى هدف فى أى مكان تحدده، ثم تعود لتغوص وتختفى فى أعماق المحيط دون أن يدركها أحد لشهور وربما سنوات.

لذلك تصف «جاكوبسون» تلك الغواصات النووية بأنها «منظومة تسليح جاءت من عالم الكوابيس. تحمل الهلاك للعالم، والخطر الذى تمثله على الوجود الإنسانى لا يقل عن خطر نيزك قادم يهدد الأرض بالفناء التام».

كل قوة نووية تمتلك فى ترسانتها «ثالوثاً» فتاكاً من الأسلحة. أولها هو الصواريخ العابرة للقارات التى تحمل رؤوساً نووية، وثانيها هو الطائرات القادرة على حمل أسلحة وقنابل نووية وإلقائها على أهدافها المحددة. أما ثالثها فهى الغواصات النووية التى تقول عنها «جاكوبسون» فى كتابها: «إنها الضلع الأكثر قدرة على الاستمرارية والبقاء ضمن أضلاع ثالوث الأسلحة النووية، والسبب الرئيسى لذلك هو مدى صعوبة تحديد مواقع هذه الغواصات النووية فى أعماق البحار والمحيطات، أو على حد تعبير الأدميرال «مايكل جى. كونور»، القائد السابق فى سلاح الغواصات النووية الأمريكى: سيكون من الأسهل تحديد مكان ثمرة «جريب فروت» فى الفضاء الخارجى عن تحديد موقع وجود غواصة نووية فى أعماق البحار، وكل ما يمكن تحديد موقعه يمكن ضربه».

وتتابع: «تلك الغواصات النووية المهيبة والمخيفة تبدو أقرب إلى قطعة فنية من الدقة والبراعة الهندسية. كل غواصة نووية عبارة عن نظام بيئى متكامل منغلق على نفسه، يولد طاقته بنفسه، ويعتمد على أجهزته الخاصة من أجل توليد الأكسجين والمياه النقية. الغواصات النووية يمكن لها البقاء فى البحر أو فى أعماق المحيط إلى أجل غير مسمى، أو حتى ينفد مخزون الطعام الموجود لدى طاقمها. هى مخفية ومحجوبة عن أن ترصدها الأقمار الصناعية، وتتحرك عبر المحيطات دون رادع. ولأنه من المستحيل تعقُّب تلك الغواصات النووية وتحديد مواقعها، فإنها تتمتع بحصانة ضد أى هجوم، إلا عندما تضطر للخروج إلى سطح الماء وهى فى طريقها للعودة إلى مقرها فى الميناء».

عندما تكلم «ترامب» عن الغواصات النووية التى قرَّر وضعها بالقرب من روسيا، توقَّع الكل على الفور أن تكون الغواصات النووية الأمريكية من طراز «أوهايو» هى المقصودة بهذا القرار. تصف «جاكوبسون» هذا الطراز من الغواصات بأنه: «عبارة عن غواصة طولها أقرب إلى طول ملعبين من ملاعب كرة قدم، وهى قادرة على إطلاق عشرين صاروخاً نووياً عابراً للقارات، يبلغ طول الصاروخ الواحد منها 44 قدماً وقُطره 83 بوصة ووزنه 130 ألف رطل لدى إطلاقه. كل واحد من هذه الصواريخ الباليستية قادر على حمل عدة رؤوس نووية فى وقت واحد. ويمكن لقوة النيران التى تمتلكها غواصة واحدة من هذه الغواصات أن تدمر دولة بأكملها».

وتواصل: «هناك 14 غواصة نووية من طراز «أوهايو» فى الترسانة النووية الأمريكية عندها القدرة على إطلاق وتفريغ كل مخزونها من الأسلحة والرؤوس النووية التى يصل عددها إلى ثمانين رأساً نووياً فى دقيقة ونصف فقط، ثم تعود لتختفى فى أعماق المحيط، وتمتلك روسيا بدورها أسطولاً من الغواصات النووية ذا قدرات مقاربة لنظيره الأمريكى».

قراءة كتاب «جاكوبسون» أعطى بُعداً آخر لقرار «ترامب» بوضع غواصتين أمريكيتين بالقرب من روسيا، على الرغم من أن الغواصات النووية قادرة على توجيه ضرباتها إلى أى مكان دون الحاجة للاقتراب منه. تصف «جاكوبسون» ذلك الوضع قائلة: «بسبب صعوبة الكشف عن مواقع تلك الغواصات النووية فى أعماق المحيط فإنها قادرة على أن تتسلل لتقترب بشدة من ساحل دولة ما ثم تطلق هجومها عليها، لتقلص الوقت الذى تستغرقه الضربة منذ لحظة انطلاقها حتى لحظة بلوغ هدفها من ثلاثين دقيقة تقريباً إلى جزء بسيط من تلك الدقائق».

أى أن الهدف من اقتراب الغواصات النووية من سواحل دولة ما هو تقليص الوقت الذى يمكن أن تحتاج إليه الصواريخ النووية لضرب أهدافها من دقائق إلى ثوان.

لكن هذه اللعبة يمكن أن يلعبها اثنان، وكما أن الغواصات النووية الأمريكية يمكن لها أن تقترب لتهدد السواحل الروسية دون أن يكتشفها أحد، فإن الغواصات النووية الروسية بدورها تمتلك قدرة مماثلة على الاقتراب من السواحل الأمريكية وتوجيه ضربتها القاتلة دون أن ينتبه إليها أحد!.

بل إن الملفات الدفاعية الأمريكية تمتلك تصوراً دقيقاً لهذا الهجوم الروسى بالغواصات النووية، وأوردته «جاكوبسون» بالتفصيل فى كتابها قائلة: «لو أن غواصة نووية روسية فى أعماق المحيط اقتربت من الساحل الغربى للولايات المتحدة، فستكون قادرة على إطلاق كل صواريخها النووية فى توقيت واحد تقريباً لتضرب كل أهدافها المحددة فى الولايات الخمسين دفعة واحدة. إن الرؤوس النووية المتعددة التى يحملها كل صاروخ يمكن أن يتم توجيهها لضرب أهدافها كل على حدة من على مسافة مئات الأميال. والغواصة الروسية الواحدة يمكنها إطلاق كل الصواريخ التى تحملها فى ثمانين ثانية تقريباً. هذه مدة زمنية بالغة القصر، تعنى أنه حتى لو كانت الولايات المتحدة لديها، بشكل افتراضى، غواصة أمريكية تلاحق الغواصة الروسية المهاجمة، فإنها لن تجد أمامها وقتاً لإطلاق «طوربيد» لإغراقها قبل أن تفرغ ترسانتها من الصواريخ النووية».

أى أن الأمر -باختصار شديد- كما تقول «جاكوبسون» أنه «لا توجد وسيلة للتصدى لهجوم تشنه الغواصات النووية. وكانت هذه حقيقة صادمة حتى بالنسبة للمسئولين عن إدارة حرب الغواصات النووية فيما مضى، مثل قائد العمليات البحرية الأمريكية الأسبق «جيم واتكينز» الذى كان هو نفسه ضمن طاقم إحدى الغواصات النووية الأمريكية التى تلاحق غواصة نووية سوفيتية عام 1982، لكنه لم يكن يملك أدنى فكرة عما يمكن لها فعله، (ومدى عجز القوات الأمريكية عن التصدى له).

ووفقاً للتقديرات الأمريكية التى أوردتها «جاكوبسون» فإن الغواصات النووية الروسية لو اقتربت من السواحل الأمريكية لن تحتاج لأكثر من سبع دقائق منذ اللحظة التى تطلق فيها صواريخها النووية وحتى لحظة بلوغ تلك الصواريخ لأهدافها.

تلك الدقائق السبع فى تقديرات الأجهزة العسكرية والاستخباراتية الأمريكية هى التى جعلت خطة مواجهة أى هجوم نووى على الولايات المتحدة فى عالم الواقع لا تمنح الرئيس الأمريكى أكثر من ست دقائق لاتخاذ قرار شن الحرب النووية وتحديد خيار الرد النووى على أى طرف يطلق هجوماً على الولايات المتحدة، حتى قبل أن تصل الضربة المعادية إلى هدفها على الأرض. تلك الفترة القصيرة إلى حد جنونى التى قال عنها الرئيس الأمريكى الأسبق «رونالد ريجان» إن أحداً لا يمكنه اتخاذ قرار إطلاق معركة نهاية العالم فى ست دقائق فقط، سببها ببساطة هو قدرة الغواصات النووية المعادية وسرعتها فى ضرب أهدافها التى قد يكون من ضمنها مقر حكم الرئيس الأمريكى نفسه، وتقضى معه على كل من يمكنه أن يتخذ من بعده هذا القرار فى سلسلة القيادة المتعارف عليها.

ست دقائق فقط يمتلكها الرئيس الأمريكى لاتخاذ قراره بالهجوم النووى المضاد فى حالات تعرُّض بلاده للضرب، لأنه فى الدقيقة السابعة ستكون الغواصات النووية المعادية (الروسية أو غيرها) قد ضربته بالفعل. وتواصل «جاكوبسون»: «إن تلك السرعة الرهيبة التى يمكن للغواصات النووية بها أن تطلق أسلحتها هى ما يجعل منها «مبعوث نهاية العالم» الأشد فتكاً كما يطلق عليها. أو بكلمات محلل الشئون الدفاعية «سيباستيان روبلين» فإن «الغواصات النووية وصواريخها العابرة للقارات تعنى إطلاق يد الانتقام النووى التى لا يقدر على إيقافها أحد، ووجودها لا بد أن يصرف أى عدو عاقل عن المبادرة بالهجوم ضد قوة نووية، أو التفكير فى اللجوء لاستخدام الأسلحة النووية من الأساس. لكن التاريخ أثبت لنا أنه ليس كل الأعداء عقلاء، وأن كثيراً منهم يتبنى منطق «نابليون بونابرت» الذى يقول «أنا ومن بعدى الطوفان». إن الأمر لا يتطلب أكثر من رجل واحد مجنون يمتلك تحت يديه ترسانة نووية لكى تنطلق حرب نووية لا يمكن أن يربحها أحد».

تُرى فى ضوء ما نشهده فى عالم الواقع اليوم، هل يمكن أن يكون هناك بالفعل ذلك «الرجل المجنون» الذى تصفه «جاكوبسون» والذى يمكن له أن يطلق ترسانته النووية فى لحظة من استعراض القوة أو الخبل؟

فى سيناريو كتاب «جاكوبسون» كان ذلك «الرجل المجنون» هو حاكم كوريا الشمالية الذى أطلق هجوماً نووياً ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وأطلقت غواصة كورية شمالية صاروخاً نووياً لم يقدر أحد على إيقافه نحو مفاعل نووى فى «كاليفورنيا» الأمريكية، وصاروخاً آخر نحو مقر وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» فى «واشنطن» ليندلع الجحيم النووى بعدها على الأرض.

فى تلك النقطة من سيناريو «جاكوبسون» المتخيَّل عن الحرب النووية، أصبحت الولايات المتحدة تحت هجوم نووى بالفعل من دولة مارقة لا تخضع للقوانين والأعراف الدولية هى كوريا الشمالية، واتخذ الرئيس الأمريكى قراراً بإطلاق عشرات الصواريخ النووية لاقتلاع الرؤوس المدبرة لتلك الحرب فى كوريا الشمالية وشل قدرتها على شن مزيد من الهجمات. ضربت أمريكا 50 صاروخاً باليستياً عابراً للقارات على العاصمة الكورية الشمالية «بيونج يانج»، لكن الغواصات النووية الأمريكية تستعد لإطلاق 32 صاروخاً نووياً آخر نحو أهدافها.

نحن الآن فى الدقيقة 37 منذ انطلاق الصاروخ الكورى الشمالى الأول الذى أشعل الحرب النووية المتخيَّلة فى سيناريو «جاكوبسون»، والغواصات النووية الأمريكية تتحرك بدورها للرد.

تقول «جاكوبسون»: «إن الغواصات النووية الأمريكية هى أسرع طريقة لإطلاق الصواريخ النووية نحو أهدافها المحددة، وفى حالات الهجوم فمن المرجح أن يتم استخدام الغواصة النووية «نبراسكا»، وهى غواصة مسلحة تسليحاً نووياً، وتعمل كذلك بالطاقة النووية، وهى من طراز «أوهايو» (التى تردد اسمها بعد تصريحات «ترامب» الأخيرة ضد روسيا).

تنقلنا «جاكوبسون»، فى سيناريو كتابها، لنلقى نظرة داخل تلك الغواصات التى تحمل لقب «مبعوث الهلاك»، فى قلب السلاح النووى الأشد فتكاً والأكثر ثقلاً والأقدر على الاستمرار فى توجيه ضرباته القاتلة من قلب المحيط حتى بعد فناء قيادته ورؤسائه وبلاده نفسها على الأرض قائلة: «إن الغواصة «نبراسكا» لديها القدرة على أن تطلق بمفردها قدراً من الدمار يفوق الدمار الذى تسببت فيه كل القنابل والمتفجرات التى تم استخدامها فى الحرب العالمية الثانية، بما فيها القنابل الذرية التى تم إلقاؤها على اليابان. مثلها مثل باقى الغواصات من طراز «أوهايو»، تشق الغواصة «نبراسكا» طريقها فى الأعماق بصمت، دون أن يكتشف أحد مكان وجودها، مستعدة دوماً لإطلاق أسلحتها. يقول ضابط سلاح الغواصات «مارك ليفين»: «لدينا القدرة على تدمير البنية التحتية وجيش العدو وكل ما يقع بينهما. نحن نظام يمتلك القدرة على البقاء والاستمرار من أجل إطلاق هجوم نووى انتقامى عند الحاجة».

تصف «جاكوبسون» طاقم العمل داخل الغواصات النووية (يبلغ عددهم 155 فرداً فى حالة الغواصة «نبراسكا» الأمريكية) بأنهم: «مدربون على نحو فريد ويمتلكون مهارات على أعلى مستوى. وهم معتادون ومجهزون للتنقل فى أعماق البحار لمدة تصل أحياناً إلى سبعين يوماً متواصلة، بدون تواصل مع العالم الخارجى، لا رسائل نصية، ولا بريد إلكترونى، ولا اتصال عبر موجات الراديو. ويفتخر رجال غواصات «أوهايو» الأمريكية بأنهم «قوة الردع النووية القصوى» وأن من يضع نفسه فى مرمى نيرانهم لا بد أن يكون مجنوناً».

كوريا الشمالية، فى سيناريو «جاكوبسون»، وضعت نفسها فى مرمى تلك النيران النووية الأمريكية، لكنها أطلقت قبل ذلك صاروخاً من إحدى غواصاتها النووية نحو مفاعل نووى فى كاليفورنيا. فى عالم الواقع، وفقاً لـ«جاكوبسون»: «فإن كوريا الشمالية تمتلك ما يقرب من 80 غواصة نووية على حد زعمها، مما قد يجعلها تملك واحداً من أكبر الأساطيل فى العالم، وعلى الرغم من أن معظم الخبراء يرون أن اقتراب غواصة كورية من السواحل الأمريكية وإطلاق صاروخ نووى عليها هو أمر غير واقعى، إلا أن الخبير العسكرى «تيد بوستول» الذى يتعاون مع «البنتاجون» منذ الثمانينات، يصر على أن هذا الأمر مهما كان معقداً فهو ليس مستحيلاً».

يرسم الخبير العسكرى الأمريكى لـ«جاكوبسون» الخطة التى يمكن بها لغواصة نووية معادية الاقتراب من السواحل الأمريكية وتوجيه ضربة إليها قائلاً: «على من يريد أن يشكل تهديداً للولايات المتحدة أن يسير ملاصقاً للساحل الجنوبى لولاية «ألاسكا» الأمريكية (التى تم اختيارها مؤخراً لتشهد مفاوضات بين «ترامب» و«بوتين» حول أوكرانيا) مستفيداً من طبيعة الجغرافيا البحرية لتلك المنطقة وأن يبقى فى منطقة المياه الضحلة فيها، التى لا تصل ضحالتها إلى الدرجة التى تمنع الغواصات النووية من استخدامها، والسبب أن الغواصة المهاجمة لو اتجهت إلى أعماق المياه فهناك احتمالية كبيرة لكشف وجودها لأن صوت الغواصة أثناء هبوطها إلى الأعماق يمكن كشفه من على بُعد مئات الأميال. لكن حتى باستخدام أجهزة سمعية متطورة، فإن الأمر يتوقف أيضاً على المكان الذى توجد فيه الغواصة، ونوع المؤثرات الصوتية التى تدور حولها فيما يُعرف باسم «تأثير الصدى» الذى يزيد من إمكانية تفسير الإشارات الواردة وتحديد ما إذا كانت تأتى من سطح المياه أم من أعماقها حيث توجد الغواصة. باختصار فإن الغواصة النووية لو تمركزت فى منطقة مياه ضحلة فسيكون من شبه المستحيل رصد الأصوات الصادرة عنها، حتى باستخدام أكثر أنظمة السونار الأمريكية تقدماً».

والغواصات النووية الروسية لا تسبب رعباً للولايات المتحدة وحدها، وإنما لكل دول أوروبا وحلف شمال الأطلسى.

وعلى عاتق تلك الغواصات النووية، الأمريكية والروسية، وبسبب قدرتها الفائقة على الاختفاء والصمود، ستقع مهمة القضاء النهائى على ما يتبقى من الحضارة الحالية فى المرحلة الأخيرة من الحرب النووية العالمية القادمة فى سيناريو «جاكوبسون».

ولكن هذه قصة أخرى.