الوطن العربي.. يستحق الحياة
وسط أكوام الخراب الموزعة بعناية فى أنحاء الإقليم المضطرب، وتحت سحائب الدخان التى تغطى خرائطه الممزقة، ومخططات مسمومة ترسم بدقة شكل المستقبل فوق الأرض المقدسة وما حولها من أرض ابتلاها الله بالبركة والثروة، يبقى «العربى» اليوم تائهاً بين صراعات يجد صداها فى رغيف الخبز وقرص الدواء، يعاين تفاعلاتها على الهواء.. شعب يباد، وآخر يهجّر من أرضه، وثالث نسى الأمان.. عروش تتصدع، وجيوش لم تعد كالجيوش، ودول لم يبق منها غير النشيد الوطنى!
ما ذنب العربى المتعب بعروبته ليحيا اليوم وسط هذه الفوضى العارمة؟ ماذا صنع هذا الجيل من العرب حتى تسوق له الأقدار كل هذه النكبات؟
أما آن له - كغيره من شعوب «أقل منه اعتزازاً بقوميتها وضرباً فى جذور التاريخ» - أن يستريح؟! أليس من حقه هُدنة قصيرة يلتقط فيها أنفاسه المتلاحقة أمام شاشات غطتها الدماء والدموع والصرخات؟!
فى «الوطن العربى» نحاول أن ندبّج لقارئنا ولأنفسنا هُدنة ولو من ورق.. هُدنة ذهنية وفكرية صُنعت خصيصاً لهذا العربى فى تيهه وتغريبته الحضارية.. نبتعد فيها قليلاً عما يُثير الأعصاب ويؤجج المشاعر ويوتر العقول.. نحاول بالكلمة والألوان والصور والرسوم والخرائط أن نَصف الرؤى ونُقارب التحليلات، وننسج من حجارة الركام وخيوط الدخان صورة تُقربنا من غدٍ آتٍ بخطى ثقيلة، ومن فرط ما نشهده اليوم من عبث وحروب وآلام ربما نرجو ألا يأتى.
من قلب القاهرة التى تموج بتفاعلات هائلة ويصب فيها فوران البراكين المتفجرة فى الإقليم وتحتضن أوجاع وطن عربى كبير مزقته الفتن والمؤامرات، تنطلق «الوطن العربى»، مجلة مصرية وعربية متخصصة فى التحليل الاستراتيجى للقضايا العربية وصراعات الشرق الأوسط، تصدر عن مؤسسة «الوطن»، التابعة للشركة المتحدة، كتجربة صحفية وفكرية تُضاف لرصيد مصرى وافر من الإصدارات المثيلة التى تزخر بها المكتبة العربية، وكثيراً ما أضاءت العقل العربى وأنارت الطريق أمام صناع القرار والساسة والباحثين والطلبة، ومثّلت إضافة مهمة لمنظومة الفكر الاستراتيجى الذى يعد إحدى أدوات القوة الناعمة المصرية.
بوسع القارئ العربى، اليوم، أن يجد ضالته فى مجلتنا ومثيلاتها التى تُعلى القيمة والرؤية على أى اعتبار.. بوسعه كذلك، ومن حقه أيضاً، أن تتبلور أمامه بدائل للتفكير تنقذه من سيولة الأحداث اليومية فى كل رُكن من وطننا العربى الكبير، بما فيها تلك التى تبدو الأوضاع فيها مستقرة وهادئة.
تنطلق «الوطن العربى»، فيما تتكالب على «العربى المتعب» شاشات تليفزيونية ورقمية.. فضائيات تمثل واجهات لمشروعات سياسية ومنصات على وسائل تُدعى زوراً «التواصل الاجتماعى»، بينما هى أذرع إعلامية وسياسية موجهة بأنياب حادة وأظافر مدببة؛ تستهدف الاستحواذ على العقل العربى ودغدغة وعيه، بإمكانه أن يطفئ هذه الأضواء الخادعة قليلاً ويخرج من هذا الضباب الخانق ويتجه بإرادته نحو نبتتنا الوليدة، ربما يجد فيها شعاعاً من نور يضىء له أفقاً جديداً، أو نفساً صحياً ينعش رئة أتعبتها الحرائق، أو صورة تستحق التوقف أمامها تمحو من ذاكرته أطلال خراب ودمار لا يتوقف، أو أملاً فى أن تنتهى معاناة الجوعى والمشردين والمبعدين عن أرضهم وأوطانهم.
وإننى على يقين أن «العربى» اليوم، ودوماً، ليس له بعد تُراب بلاده الذى يعيش عليه ويموت من أجله ولا يتمنى سوى أن يُدفن فيه إلا ذلك الأمل، حتى لو غيّبته وحشية الصراعات وأبعدته ألاعيب السياسة وغالبته توازنات القوى ووضعته آلة الحرب المتوحشة فى مرمى أهدافها.. هو ذلك الأمل الذى قال عنه محمود درويش (على هذه الأرض ما يستحق الحياة).