بصمات صنع الله إبراهيم على الرواية
رحل المبدع صنع الله إبراهيم، لكن بصمات إبداعه ستظل كالوشم على جسد الرواية المصرية الحديثة، حضر «صنع الله» كالعاصفة على عالم الرواية، اقتحمها خارجاً من الزنزانة إلى العالم الرحب خارجه، صدمنا بنوع جديد من الكتابة، مع سبق الإصرار والترصد، فجَّر اللغة البلاغية التقليدية المليئة بالسجع والجناس والتشبيهات، واعتمد على أسلوب شبه صحفى أو وثائقى، يجعل النص يبدو أقرب إلى تقرير أو ملف، ما يمنحه واقعية وقوة فى النقد السياسى والاجتماعى، تداخلت عنده الأجناس الأدبية، بدون أن يقدم تبريراً أو اعتذاراً، دمج بين تقنيات الرواية والصحافة والتوثيق، فكان يستعين بمقتطفات من الجرائد، الإحصائيات، القوانين، الإعلانات، وحتى المحاضر الرسمية، كان يجرب وكأنه يلعب مع القارئ لعبة طفولية مغامرة من زمن السندباد، بجانب السرد الجمالى كانت رواياته أداة احتجاج، تكشف الاستبداد والفساد والبيروقراطية، وتفضح كل ما يسحق الإنسان، انحاز فيها للمهمشين، جعل أبطال رواياته من الطبقات الفقيرة أو المهمشة، مقدماً صوراً واقعية لمعاناتهم، قام بمهمة التأريخ البديل، وقدّم سرداً موازياً للتاريخ الرسمى.
فى رواية مثل اللجنة كسر الأسلوب الروائى الخطى، الأحداث ليست سلسلة تقليدية أو سلماً متصاعد الدرجات، بل تدور حول محاور استجواب وتحقيق، يخرج منها الراوى إلى استطرادات عن التاريخ والسياسة والاقتصاد.. اللجنة لا تعاقب البطل جسدياً بقدر ما تحطمه نفسياً ومعرفياً، وهذا يعكس رؤية «صنع الله» لمخاطر السيطرة الناعمة عبر الثقافة والإعلام والاقتصاد، وليس فقط عبر القمع الأمنى، وصفه البعض بأنه «كافكا العرب» بعد تلك الرواية، فهى تضع البطل فى مواجهة سلطة غامضة، بإجراءات معقدة، وطلبات غير مفهومة، مع إحساس مستمر بالعجز واللاجدوى، اللجنة مثل رواية كافكا المحاكمة، نحن لا نعرف الجريمة أو سبب التحقيق، لكن البطل يدور فى دوامة لا تنتهى، رواية كلها تقوم على تحقيق بين شخصية البطل المجهول و«اللجنة» الغامضة، من دون أن يُسمّى أىّ طرف أو تُحدد هوية اللجنة أو طبيعتها، تجعل القارئ يعيش إحساس التحقيق الأمنى والبيروقراطى القمعى، حيث كل شىء خاضع للمساءلة والاختبار، لكن الأسئلة تبدو عبثية أو غير منطقية أحياناً، تجعل القارئ فى حيرة مقصودة، لا يعرف هل اللجنة تمثل سلطة سياسية، أو جهازاً أمنياً، أو سلطة عالمية اقتصادية، غموض مقصود ليجعلها رمزاً لكل أشكال السلطة القمعية.
أنا شخصياً عرفت صنع الله إبراهيم عبر روايته الصادمة «تلك الرائحة» التى كتبها فى الستينات بعد تجربة سجن الشيوعيين الدامية، بطلها سجين سياسى يخرج من المعتقل بعد تجربة قاسية، لكن النص لا يقدمه كبطل نضالى تقليدى ولا جيفارا، بل يرسمه إنساناً مشوشاً، فاقداً للحماس، يراقب العالم حوله ببرود ولا مبالاة، انتقد النظام بشكل غير دعائى ولا حنجورى عبر تصوير الفراغ والعبثية التى تملأ حياة ما بعد السجن، مما فضح حقيقة ما جرى فى المعتقلات وأثره النفسى العميق، لم يرفع شعارات سياسية مألوفة، ولم يحول الرواية إلى مظاهرة، بل نقل الإحباط الشخصى وكأنّه جزء من الهزيمة العامة.
بالنسبة لجيلنا الذى كان يقرأ الروايات التقليدية كانت الصدمة فى كسر تابو الجنس بكل تلك الصراحة، كانت محاولات البطل لممارسة الجنس بعد خروجه، بلا لغة مجازية أو تلميح رومانسى، وكانت وقتها جرأة غير مسبوقة، ورفعاً لسقف الجرأة اللغوية وشجاعة الكشف وفضح النفاق الاجتماعى، فقد جاء وصفه للجسد والحميمية بارداً ومحايداً، بأسلوب أقرب إلى الملاحظة السريرية أو كأنه فى معمل كيمياء، لم يُغلَّف كلماته بالعاطفة أو الأخلاق التقليدية، عبّر بقوة عن الإحساس باللاجدوى، فقدان الانتماء، والاغتراب، الصراحة هنا لم تكن فقط فى الكلام عن السياسة أو الجسد، بل فى كشف انكسار البطل داخلياً، واعترافه بعدم القدرة على العودة للحياة الطبيعية، تناول البطل كإنسان طبيعى وليس روبوتاً فولاذياً، كما كان يطرح فى الروايات التقليدية التى كانت تقدم البطل ككائن فضائى لا يقهر، لذلك صودرت الرواية فور صدورها بحجة «خدش الحياء العام» و«الإساءة للمجتمع»، لأنّها خرجت عن النمط الأخلاقى والفنى السائد.
صنع الله إبراهيم اقترب منا برصده لليومى والعابر الذى نراه مألوفاً وبديهياً، ولكنه على يد صنع الله إبراهيم وبقلمه يصير مدهشاً، صنع الله إبراهيم سيظل خالداً فى وجداننا ببساطته وصراحته وعزوفه عن الأضواء والتكالب، أخلص لفنه فوضعه فنه فى مقدمة المبدعين لا أثرياء الأكاذيب المريحة.