«حكي الستات».. رسائل خفية تفضح «القلق البيئي»
«حكي الستات».. رسائل خفية تفضح «القلق البيئي»
«الكون لا يتوقف عند أحد» عبارة كاذبة، يستيقظ العالم كل يوم ليدرك أنها لا تمت للحقيقة، يشعر البعض منهم وفي القلب النساء، أنّ على أكتفاهن تحديدا ينتظر الكون التغيير، ورغم صلابتهن في المواجهة على الأرض بحلول تطوعية، فإنّ القلب يصيبه ارتعاشا يزيد مع الأيام، فيتحول إلى توتر، وخوف، واكتئاب.. إلى آخر المسميات التي تنحدر جميعها تحت مصطلح «القلق البيئي» أو «القلق المناخي»، ذلك الاضطراب الذي تُعرّفه منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» بأنّه «زيادة في الضيق العاطفي أو العقلي أو الجسدي استجابة للتغيرات الخطيرة في المناخ»، وأنّ «القلق المناخي هو مشاعر حقيقية ومشروعة من الخوف والقلق والتوتر والعجز والانزعاج المرتبطة بأزمات المناخ المتطورة».
ولأنّ النساء أكثر المتضررات من التغير المناخي، وفق دراسات عدة بينها ما رصدته المكتبة الوطنية للطب (NLM)، وهي جزء من المعاهد الوطنية للصحة (NIH) التابعة لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، فإنّهن أيضا اتخذن من طريقتهن المُثلى في «الحكي» وسيلة لمواجهة هذا «القلق»، ومن «التطوع» أداة للإنقاذ، ومن «الدعم النفسي» قارب نجاة، ليسردن تجاربهن الخاصة في ذلك.
«رانيا» وCOP27 .. إدراك القلق البيئي في قلب الحدث المناخي
اكتئاب شديد جدا يلزمه مساعدة عاجلة، ذلك الإدراك الذي تفتق إلى ذهن الدكتورة رانيا الصاوي قبيل حضورها مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP27)، الذي عُقد في الفترة من 6 إلى 18 نوفمبر 2022 في شرم الشيخ بمصر، عندما حاوطها الخطر القائم، لم تكن تدري أنّ ما تعانيه هو ذاته «القلق البيئي»، ذلك المصطلح الذي لم يعرف العمق المصري حتى الآن، حسب تعبيرها: «كنت مخنوقة جدا بعيط 24 ساعة، أدركت إني محتاجة مساعدة ولازم اتحرك في اتجاه إن لازم حد يساعدني».
الأرقام لا تكذب.. القلق البيئي يطال النساء أكثر من الرجال
- في دراسة دولية لـ«لمجلة الأوروبية للصحة العامة»، نُشرت في أكتوبر 2023، حول محددات القلق البيئي، جُمعت بين عامي 2020 و2022، والتي شملت 52 ألفا و219 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 15 عامًا فأكثر من 25 دولة، أشارت إلى أنّ النساء أكثر قلقًا بشأن تغير المناخ من الرجال بنسبة 37% مقارنة بالرجال.
- في العام 2025 نشر باحثون في دورية «Global Environmental Change» دراسة شملت 170 ألفًا و747 مشاركًا في 27 دولة، أنّ النساء قد يكنّ أكثر عرضة للقلق بشأن تغير المناخ.
الدعم النفسي لمواجهة الأعراض الاكتئابية
وكأنّ الأقدار تهيأت لمساعدة «رانيا» الباحثة بمركز البحوث الزراعية، لتصادف لأول مرة خلال COP27 وجود دعم نفسي من خلال جلسات مع أطباء نفسيين: «كانت فكرة جديدة أشوفها، لما اتكلمت مع الطبيب النفسي، جلسة واتنين وتلاتة، وتابعت جلسات لفترة حتى بعد انتهاء الحدث المناخي، ومارسنا تمارين وأنشطة لمواجهته، ولقيت إني محتاجة كتير، طب إيه مزعلني إن بعض الناس ماشية في تراك المنظرة ومش مدركين، محدش بياخد حركة بجد وينقذ الموقف بجد وكده كده الناس متأثرة، كنت مرعوبة وحاسة إني زعلانة ومضغوطة، مكنتش فاهمة إنه قلق بيئي.. لكن مدركة إن عمومًا احنا بنخسر، لكنه موجود طبعا وبرا مُعترف بيه».
«الحكي».. مساحة آمنة لمواجهة القلق البيئي
وبعد عامين، حان وقت «الحكي»، تلك الورشة التي نفذتها منظمة غير حكومية وتتبنى النهج العلمي لمساعدة المجتمعات المحلية للتكيف مع التغير المناخي والتحديات البيئية، وكانت الورش بالقاهرة والإسكندرية مخصصة للنساء العاملات في المجال البيئي بمختلف تخصصاته وخبراته، وتصفها «رانيا» بأنّها مساحة آمنة حيث يمكن للسيدات التعبير عن مشاعرهن ومخاوفهن.
تُدار الجلسات بواسطة متخصصين يسهلون الحوار من خلال أنشطة لكسر الجليد والتعارف: «وده دور أساسي للحكي مش بس مشاكل لكن أحلام وطموحات، ازاي تكسري حتة الخوف اللي جواكي والضغوطات، وتواجهي مخاوفك وتشوفي الحلول بعيون غيرك».
صدمة مناخية ونفسية.. من بغداد إلى الإسكندرية
كانت سمر المؤذن وشقيقتها نسمة من بين الحضور، لتدوّن «سمر»، 38 عاما، معاناتها الجسدية والنفسية مع المناخ، لتستذكر نشأتها في بغداد حيث كانت الفصول الأربعة واضحة المعالم والمساحات الخضراء جزءًا أصيلًا من المشهد اليومي: «الجو في بغداد مختلف تمامًا، الأربع فصول تقدري تحسي بيهم وتميزيهم، والمساحات الخضراء كان طبيعي تشوفيها حواليكي».
وعند انتقالها إلى الإسكندرية عام 1997، واجهت سمر صعوبة في التكيف مع المناخ الجديد، الذي يعتمد على فصلي الشتاء والصيف فقط، ما أدى إلى معاناتها من حساسية استمرت 5 سنوات: «الدكتور قالي إنه بسبب إني مش قادرة أتكيف مع الجو هنا في مصر».
لكن القلق البيئي لم يتوقف عند التكيف الجسدي. تعيش سمر هاجسًا مستمرًا حول مصير الإسكندرية، المدينة الساحلية التي طالما سمعت أنّها «هتغرق» منذ وصولها إلى مصر: «إسكندرية هتغرق، الجملة دي بسمعها من ساعة ما نزلت مصر»، كما واجهت تناقضات بين التأكيدات العلمية بالغرق، والمشروعات التي تُبنى على البحر، حتى وصلت إلى شعور «التجاهل»، كحال «الإسكندرانية» مثلما تصف، رغم شعورهم بالخوف، خاصة بعد الثلوج التي صاحبت العاصفة التي ضربت الإسكندرية في نهاية شهر مايو الماضي: «كلنا بدون استثناء سايبينها على ربنا، الإسكندرانيين يميلون لتجاهل الخطر بسبب التفكير في التداعيات الأسرية والاجتماعية للتهجير».
مواجهة الزومبي.. حيلة «سمر» لمحاربة خوفها
وعلى أرض الواقع، يتحول الخوف إلى رعب تعاني منه «سمر»، بعد تأسيسها وشقيقتها مبادرتهما المناخية «تانيس»؛ بسبب طريقة تفكير الناس ومعتقداتهم التي تتلخص في «إحيني النهاردة وبكرة ربنا يبقى يسهل»، لتستغل «سمر» دراستها للخدمة الاجتماعية، وتحاول التخلص من القلق الشديد الذي أصابها إلى حلول على الأرض، وتبدأ من النشء الصغير: «نظمت فعاليات مختلفة ومنها في مكتبة اسكندرية وده كان من خلال لعبة اسمها تهيئة الهجوم الزومبي، وباختصار شديد لاحظت إن الأطفال عندهم معلومات كتيرة جدا ولكن مش عارفين يطبقوها على أرض الواقع وفاكرين إنّ المسؤولية بالكامل على الناس الكبيرة والدولة، وبحاول أهيأهم نفسيا وجسديا لمواجهة تغيرات المناخ».
إحصائيات رسمية عن خوف الأطفال والشباب
«خوف الأطفال والشباب».. تلك الحالة التي رصدتها الباحثة الاجتماعية ليست فردية، إنما تؤكدها كارولين هيكمان، وهي معالجة نفسية ومحاضرة في جامعة باث بالمملكة المتحدة، في تقرير عبر موقع «يونيسف» نُشر تحت عنوان «القلق المناخي.. نصائح خبراء الصحة العقلية للتعامل مع المخاوف بشأن تغير المناخ»، قالت إنّ المخاوف بشأن تغير المناخ تؤثر على الأطفال والشباب في حياتهم اليومية الجسدية (الأكل، النوم، الذهاب إلى المدرسة وما إلى ذلك)، وتفكيرهم (معتقداتهم حول المستقبل) ومشاعرهم، وأنّ الأطفال يتأثرون أكثر من البالغين، فهم ما زالوا في طور النمو جسديًا ونفسيًا، كما أنّهم يتأثرون أكثر لأن تغير المناخ يؤثر على مستقبلهم بأكمله - الدراسة والمدرسة ومهنهم المستقبلية.
والمعالجة نفسها أفادت في تقرير آخر لها عبر «يونيسف»، تحت عنوان «ما هو القلق البيئي؟»، أنّ أكبر استطلاع عالمي حول القلق البيئي لدى الأطفال والشباب جمع بيانات من 10 آلاف شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 16 و25 عامًا في 10 دول، وجاءت النتائج كما يلي: