«الآثار المصرية فى المتاحف العالمية».. رحلة بين كنوزنا المهاجرة
«الآثار المصرية فى المتاحف العالمية».. رحلة بين كنوزنا المهاجرة
من بين رفوف المتاحف العالمية، ينهض صوت بعيد مغموس بالضوء والغبار، يخرج من تمثال منحوت بعناية، أو من رقيم قديم تشقّق سطحه دون أن تنكسر معانيه، صوت الحضارة المصرية يتكلم هناك، فى برلين وباريس ونيويورك، فى لندن وبوسطن وروما، ويتكلم أيضاً من قلب كتاب د. محمد أبوالفتوح غنيم «من روائع الآثار المصرية فى المتاحف العالمية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، حيث يصبح التاريخ فناً، وتتحول الذاكرة إلى نبض ممتد.
لا يسرد الكاتب ما جرى فقط، ولا يكتفى باستعراض القطع النادرة فى مواقعها الحالية، وإنما يمضى إلى ما هو أبعد: يحاول إصغاء ما تقوله هذه الآثار حين ينفض عنها الغبار، وما تشتهى أن تهمس به لمن نسيها فى رحلة الترحال الطويلة، فى كل صفحة، تتحرّك قطعة أثرية، متجاوزة مكانها فى المتحف، إلى مساحتها العميقة داخل الوجدان.
الكتاب يبرز حجر رشيد بأنه صفحة مصيرية في تاريخ الإنسانية.. ورسائل تل العمارنة تفتح نوافذ غير معتادة على حياة مصر القديمة
حجر رشيد يظهر هنا كعتبة عبور نحو وعى مختلف، ليس مجرد نص مكتوب بثلاث لغات، وإنما صفحة مصيرية فى كتاب الإنسانية، يتأمل الكاتب تلك اللحظة التى وقف فيها شامبليون أمام الحروف، ويستعيد عبرها صورة المصرى القديم وهو يكتب ليُرسّخ فكراً ممتداً فى الزمان، فكراً اختار الكتابة فعلاً للبقاء والتأثير والتوجيه.
تمثال نفرتيتى، بملامحه المدهشة، يفيض بحضور داخلى يشع فهماً عميقاً للذات، متجاوزاً المعنى فى الأنوثة أو الجمال، ليمتد إلى ما هو أبعد: حكمة ناطقة، نظرة تنفذ إلى ما وراء اللحظة، وسكون يحمل داخله شموخاً دفيناً، فى متحف برلين، تتأمل الزائرة فى عينيها فتستشعر سؤالاً صامتاً: هل تذكرون من أنا؟ هل تدركون حجم الضوء الذى مر من خلال وجهى حين كنت أقف فى قلب المعبد، لا خلف زجاج الغربة؟
الخريطة الجيولوجية فى تورينو تكشف عن مستوى دقيق من الفهم العلمى والفكرى، ليست مجرد رسمة للأرض، وإنما دليل على بصيرة حضارية رأت فى الجغرافيا كياناً حياً يجب فهمه وتنظيمه وتفسيره. المصرى القديم قرأ تضاريس وطنه كما يقرأ الكاهن رموز معبده، وسجّلها كما يُسجل الشاعر ملامح القصيدة الأولى، بدقة العالم وحدس الرائى.
التماثيل وثيقة حية لفكرة الدولة
حين يصل القارئ إلى تماثيل رمسيس الثانى والثالث، المعروضة فى بريطانيا وألمانيا، تتكشّف أمامه ملامح لا تبوح بها الكتب، الكتفان العريضان، النظرة الحادة، ذلك الثبات المرسوم على الجبهة، يبعثون إحساساً بالحضور الراسخ، حضور لا يخشى الأفول، التماثيل ليست أثرا من زمن انقضى، وإنما وثيقة حية لفكرة الدولة، كما تجسّدت فى وعى صناعها.
رسائل تل العمارنة تهمس من بين السطور، وتفتح نوافذ غير معتادة على حياة مصر القديمة، النصوص تسجّل علاقات دبلوماسية مشغولة بالتوازن، ومرسومة بلغة هادئة تعرف الاحترام وتُؤمن بالتماس، السياسة تتكلم بلسان الإنسان، وتتجنّب ضجيج السيوف.
فى متحف اللوفر، يقف «حمار رمسيس» كشاهد صامت على مشهد كامل، لا يضيع فى الزينة، ولا يتراجع أمام هيبة الملوك، وجوده يعيد تشكيل المشهد من أطرافه، التفاصيل الصغيرة تكتمل حوله، ويأخذ دوره فى صورة الحياة دون أن يطلب تفسيراً.
تمثال الكاهن المتكعز وزوجته، المعروض فى المتحف الأمريكى، يُجسّد معنى الشراكة بصمت كامل، لا خطب، لا انتصارات، لا ملاحم، رجل وامرأة فى جلستهما اليومية، يشتركان فى الهدوء والسكينة، يرويان سيرة الخبز والماء والمحبة البسيطة، المعنى يتسلل من العيون والوقفة، ويتجاوز القصص المكتوبة.
الأدوات اليومية فى متحف بترى تقدّم مصر أخرى، مصر البيت والمطبخ والنجار، هناك يد صنعت الملعقة، ويد صنعت الكرسى، وهناك طفل شرب من الكأس قبل أن تنكسر، هذه القطع لا تحمل توقيع الملوك، لكنها حفظت نبض الناس، فى هذه الزوايا تولد الحضارات، وتستمر.
تماثيل شدور وكاو النبتى فى المتروبوليتان لا تقف للتمجيد، تقف فى انتظار من يعبر أمامها قد لا يشعر بالدهشة، لكنه يشعر بالحنين، الوجوه تنظر، العيون ساكنة، والروح تهمس باسم لا يزال موجوداً.
سفينة الدولة القديمة فى تورينو تقف بخشبها الممدود للرحلة. الرحلة تقود إلى الداخل، إلى الإنسان، إلى الذاكرة، إلى تلك البقعة التى تحتفظ بسر البدايات. السفينة إشعار بأن المسير مستمر.
الدكتور محمد أبوالفتوح غنيم لا يستعرض آثاراً ولا يجمع مقتنيات، يكتب ليحرك المعنى الكامن خلف الحجر، يوقظ النظر إلى ما كانت عليه هذه التحف فى أعين صانعيها، يرسمها إشارات حية على مستقبل ينتظر من يلمحه. الزمن فى هذا العمل لا يسير بخط مستقيم، يدور، يتداخل، يعيد تشكيل نفسه مع كل قطعة تُفهم من جديد، القطع الأثرية تتنفس بالذاكرة، تنتظر من يُصغى إليها. الغربة تتلاشى، الآثار التى ابتعدت تحتفظ بجذورها، تصنع وطناً فى كل متحف، وطناً يدخل من باب القلب والعين، وطناً يتّسع لكل من لم ينسَ، لكل من أدرك أن الحجارة خلقت للكلام.


