«عين الخراب» في صحراء مصر.. مدينة ترصد تحولات الثورة الدينية وتوثق معجزة المسيح
«عين الخراب» في صحراء مصر.. مدينة ترصد تحولات الثورة الدينية وتوثق معجزة المسيح
لم تكن عملية تحول مصر إلى المسيحية بين القرنين الثالث والسابع الميلاديين مجرد تغيير ديني، بل كانت نقطة تحول تاريخية دمجت التقاليد القديمة مع الإيمان الجديد، لتصبح مصر من أول معاقل المسيحية خارج الأرض المقدسة، وكانت مهدًا لنشوء الرهبنة التي أثّرت بشكل عميق على الفكر المسيحي في جميع أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط.
اكتشاف مدينة قبطية عمرها 1500 عام
في الصحراء الغربية داخل الأراضي المصرية، اكتشف علماء الآثار أطلال مدينة قبطية تعود إلى بدايات العصور المسيحية، خلال الأسابيع الأخيرة الماضية، بحسب ما نقل موقع «Arkeonews» عن وزارة السياحة والآثار المصرية، إذ تمكنت البعثة الأثرية المصرية من المجلس الأعلى للآثار بمنطقة عين الخراب من اكتشاف بقايا المدينة التي شهدت فترة التحول من الوثنية إلى الديانة المسيحية.
وتقع هذه المدينة القديمة، المعروفة باسم عين الخراب، في عمق واحة الخارجة، وتكشف عن جدران أثرية وقطع فنية تسلط الضوء على تاريخ حي للإيمان، والصلابة، والتحول الثقافي، وفقًا لتفاصيل الاكتشاف الذي تحدث عنه موقع «naukatv.ru».
كنائس قديمة ومركز روحي
وفقًا لتفاصيل العثور على المدينة المفقودة، يتوسط الموقع كنيستان قديمتان، إحداهما كبيرة تشبه تصميم البازيليكا، والأخرى أصغر حجمًا ومزينة بنقوش باللغة القبطية، ففي الكنيسة الكبرى يوجد صحن واسع مقسم إلى ممرات بواسطة صفوف من الأعمدة المربعة، إلى الجنوب من الصالة الرئيسية، حيث عثر علماء الآثار على مبانٍ خدمية قد تكون استخدمت كمخازن أو مطابخ أو قاعات للقاءات، ما يدل على أن الكنيسة لم تكن فقط مركزًا دينيًا، بل أيضًا مركزًا اجتماعيًا للمجتمع المحلي.
نقوش قبطية نادرة
أما الكنيسة الأصغر، فهي محاطة ببقايا سبعة أعمدة خارجية، وتحتوي من الداخل على نقوش قبطية واضحة تشير إلى صلوات وتكريسات نُقشت قبل أكثر من 1500 عام.
لوحة جدارية مدهشة للمسيح
ربما كانت أكثر الاكتشافات إثارة للإعجاب هي لوحة جدارية (مُرَال) تُظهر السيد المسيح وهو يُجري معجزة شفاء، ويشير الخبراء إلى أن هذا النوع من التصوير نادر جدًا في الصحراء الغربية، وتتميز اللوحة بأسلوب فني يجمع بين تقنيات الفن المصري القديم، مثل الخطوط الواضحة والألوان الترابية وبين الرمزية المسيحية، ما يعكس التقاء حضارتين في صورة واحدة، في زمن كانت فيه الأمية منتشرة، كانت مثل هذه اللوحات وسيلة فعالة لنقل تعاليم المسيحية عبر صور مفهومة وبسيطة.
حياة يومية متكاملة
عُثر على بيوت من الطين، ما زالت آثار الطلاء الأبيض ظاهرة على جدرانها، وكانت الحبوب والمواد الغذائية تُخزن في جرار طينية كبيرة مدفونة في الأرض، وكان الخبز يُخبز في الأفران المحلية، وتُحفظ الأدوات والبضائع في ورش العمل.
وضمت الاكتشافات الآثرية أيضًا شظايا من الفخار، أواني زجاجية، وأوستراكا (قطع خزف كُتبت عليها نصوص)، أما المدافن، فقد وُجدت وفقًا للتقاليد المسيحية.
عين الخراب.. نافذة على التحول الديني
تمثل اكتشافات مثل عين الخراب نوافذ نادرة على هذا التحول، وتظهر أن المسيحية لم تترسخ فقط في المدن الكبرى على ضفاف النيل، بل وصلت أيضًا إلى الواحات النائية في عمق الصحراء.
ومع ذلك، لم تكن واحة الخارجة مجرد موقع معزول في الصحراء، بل كانت نقطة التقاء بين الطرق الرومانية القديمة ومسارات القوافل التجارية التي عبرت المنطقة منذ قرون، ما جعلها حلقة وصل مهمة بين الثقافات والحضارات.
عين الخراب نشأت خلال الحقبة البطلمية والإمبراطورية الرومانية، وتشير الاكتشافات الأثرية إلى أن العديد من المباني التي تعود للعصر الروماني أعيد استخدامها في القرون الأولى للميلاد كمواقع للعبادة المسيحية، تعكس هذه التحولات ثورة دينية واسعة شهدها مصر، بعد تقنين المسيحية في ظل الحكم الروماني، وتحولها التدريجي إلى الديانة السائدة في البلاد.