ألوان مستحيلة تشعل السماء.. بركان كراكاتوا يحول العالم إلى لوحة خيالية
ألوان مستحيلة تشعل السماء.. بركان كراكاتوا يحول العالم إلى لوحة خيالية
في صيف عام 1883، تحديدًا في السابع والعشرين من أغسطس شهد العالم واحدة من أغرب الظواهر الطبيعية التي بدت وكأنها لوحة كونية خارقة؛ إذ تحولت السماء إلى اللون الأحمر القاني، بينما ظهر القمر بلون أزرق غريب، وبدت لحظات الغروب وكأنها مشهد خيالي يكتسي بالأخضر، هذه الألوان غير المعتادة كانت نتيجة انفجار بركان كراكاتوا في إندونيسيا الذي هزّ الأرض وأطلق في الغلاف الجوي جزيئات دقيقة غيّرت شكل السماء لأسابيع طويلة، فما قصته؟
سماء مشتعلة بالألوان
تسبب انفجار بركان كراكاتوا في إندونيسيا في سلسلة من الظواهر الجوية المدهشة التي أعادت تشكيل السماء فوق معظم قارات العالم، كان واحدًا من أعنف الأحداث البركانية في التاريخ المسجل، إذ دفع بالرماد والهباء الجوي الغني بالكبريت إلى ارتفاع يزيد عن 30 كيلومترًا في الغلاف الجوي، ومع انتشار هذه المواد في طبقة الستراتوسفير، تكسّر وانحرف ضوء الشمس بطرق لم يسبق أن شوهدت من قبل، وفق موقع«dailygalaxy».
ووفقًا لدراسة نُشرت حديثًا فقد غيّر الانفجار البيئة البصرية العالمية لأسابيع، مكوّنًا مشاهد طبيعية مذهلة، مثل سماء قرمزية عميقة، أقمار زرقاء اللون، وغروب شمس يميل إلى الأخضر، وما شاهده الملايين لم يكن وهمًا بل نتيجة حقيقية لفيزياء البراكين وكيمياء الغلاف الجوي على نطاق كوكبي.

وصلت أول التقارير عن هذه الظاهرة بعد أيام قليلة من الانفجار، إذ وُصفت مشاهد غروب الشمس بأنها مدهشة لدرجة أنها أوقفت المارة في الشوارع، وفي تقرير بارز نشرته صحيفة نيويورك تايمز في نوفمبر 1883، وصف شاهد عيان المشهد وكأن السماء تشتعل بالنيران:«بعد الساعة الخامسة بقليل، اشتعل الأفق الغربي فجأة بلون قرمزي متوهج، أحمرّت معه السماء والغيوم، ارتبك الناس في الشوارع من هذا المشهد غير المعتاد.. ثم تحولت الغيوم تدريجيًا إلى لون أحمر دموي، وبدا البحر وكأنه يغطيه وهج دموي»
مشاهد مذهلة ومرعبة
لم يكن هذا مجرد غروب عادي، فالعلماء عرفوا الآن أن الهباء الجوي في طبقة الستراتوسفير، الذي انتشر عالميًا عبر التيارات الهوائية الاستوائية، قد كسر ضوء الشمس بطريقة جعلت الأطوال الموجية الأقصر «الضوء الأزرق والأخضر» تتشتت بعيدًا، لتسيطر الأطوال الموجية الأطول «الأحمر» على المشهد، ومع بقاء هذه الجزيئات عالقة في الجو لشهور، شوهدت سماء متوهجة باللون الأحمر في مناطق بعيدة مثل لندن، نيويورك، سيدني وكيب تاون، حتى بعد غروب الشمس ولساعات طويلة من الليل، وفي زمن لم يكن فيه إنارة كهربائية، كان هذا المشهد أكثر إرباكًا وإذهالًا، وكأنه عرض كوني يوحي بأن كارثة كبرى وقعت.
في هذا الوقت كان من الممكن تفهّم مشهد السماء الحمراء، لكن تغيّر لون القمر إلى الأزرق كان أغرب وأكثر إثارة للجدل؛ ومع ذلك فقد شهدته مناطق كثيرة من العالم، لأسابيع، بدا القمر بلون أزرق فولاذي غريب، ما دفع البعض للاعتقاد أن الغلاف الجوي للأرض يمر بتحول كوني، لكن الأبحاث أوضحت لاحقًا أن السبب كان جسيمات بركانية دقيقة بحجم يقارب الميكرون الواحد، وهي كبيرة بما يكفي لتبعثر الضوء الأحمر بينما تسمح بمرور الضوء الأزرق، مما أنتج ذلك اللون غير الطبيعي.