في ذكرى ميلاده الـ101.. سر مقال كتبه أنيس منصور 32 مرة بسبب إعجاب العقاد به

كتب: أمنية سعيد

في ذكرى ميلاده الـ101.. سر مقال كتبه أنيس منصور 32 مرة بسبب إعجاب العقاد به

في ذكرى ميلاده الـ101.. سر مقال كتبه أنيس منصور 32 مرة بسبب إعجاب العقاد به

شهدت الأوساط الأدبية والفكرية المصرية واحدة من أبرز العلاقات بين عمالقة الفكر، وهي علاقة الكاتب الساخر أنيس منصور بأستاذه الكبير عباس محمود العقاد.

لم تكن هذه العلاقة مجرد رابطة بين تلميذ وأستاذ، بل كانت مزيجًا فريدًا من الإعجاب، والاختلاف، والتأثر العميق، ففي عوالم العقاد الفكرية الصارمة، وجد أنيس منصور مساحته الخاصة، لينهل من معينها، ويضيف إليها لمسته الساخرة التي ميّزت أسلوبه، حتى إنّ أنيس منصور أعاد كتابة مقال 32 مرة بسبب إعجاب العقاد به، فما قصته؟

علاقة معقدة بين أنيس منصور وعباس العقاد

الكاتب الراحل أنيس منصور الذي تحل اليوم ذكره ميلاده الـ101، يحكي في كتابه «في صالون العقاد كانت لنا أيام» عن علاقته المعقدة بعباس العقاد، الذي لم يعرف أنيس منصور سوى اسمه لسنوات طويلة في عالم الكتابة والأدب، حتى إنه لم يشترِ مجلة إلا إذا تضمنت مقالًا للعقاد، فكان أصغر طلابه بعدما انتقل من مدينة المنصورة إلى القاهرة، فكان أنيس منصور يحرص على حضور الصالون الذي يُعقد كل يوم جمعة ويجلس إلى جوار الباب باعتباره طالبًا صغيرًا، وكان يتوقع أن يُخرجه أحد من الصالون لأي سبب، إذ كان يعتقد أن الجلوس في الصالون بالأقدمية؛ يقصد عبدالرحمن صدقي وصلاح طاهر الجبلاوي وزكي نجيب محمود وعلي أدهم، الذين كانوا يضعون أيديهم على كتف عباس العقاد وأحيانًا على ساقه وهم يتحدثون إليه، أما هو فكان يجلس في مكان بعيد عنه كونه جديدًا على الصالون.

أنيس منصور

أما أول صدمة حقيقية لأنيس منصور يحكيها وهو يعلم أنّ عباس العقاد لا يدري عنها شيئًا حتى وفاته، ووصفها أنّها شيء خطير في حياته، لكنها ليست إلا شيئًا عابرًا في حياة العقاد، يقول أنيس منصور: «في أحد الأيام كتبت مقالًا في جريدة «الأساس» سنة 1948، كان موضوعه: معنى الفن عند تولستوي.. وصدر المقال يوم الجمعة، أي يوم الندوة الأدبية، وسألت الأستاذ إن كان قد قرأ المقال. قال: نعم يا مولانا وأعجبني أسلوبه، انتهى كلام الأستاذ. وبدأ الكلام والآلام في أعماقي. لقد أعجب الأستاذ بالأسلوب.. أسلوبي.. فقط الأسلوب، لا الفكرة.. ولا القضايا التي أثرتها.. الأسلوب فقط.. وأذكر أنني لم أسمع كلمة واحدة مما قاله الأستاذ في ذلك اليوم. ولا أعرف كيف عدت إلى البيت.. ولا كيف ذهبت إلى مكتبي في جريدة الأساس بشارع الشواربي لأمسك ورقة وقلمًا وأطلب من الأستاذ محمد صبيح سكرتير تحرير الجريدة إجازة أسبوعين».

حكاية مقال كتبه أنيس منصور 32 مرة

ويستكمل أنيس منصور حديثه: ذهبت في نفس اليوم إلى جريدة الإخوان المسلمين، وسحبت قصيدة نظمتها في «مولد النبي»، وذهبت إلى إحسان عبد القدوس وسحبت قصة «وجودية» كان من المنتظر نشرها بعد أسبوع. وعدت إلى بيتي حزينًا. لا أعرف ما الذي أستطيع أن أفعله، أما المشكلة فهي أن الأستاذ العقاد قد أعجبه أسلوبي، وعدت إلى المقال أقرؤه من جديد، لقد كان الأسلوب صعبًا معقدا أو هكذا تصورت.. وكان مليئا بالتراكيب الفلسفية. فقد كنت حديث التخرج في الفلسفة. وفي نفس الوقت مدرسا للفلسفة. فأنا لم أتخلص من المصطلحات الفلسفية بعد. وحزنت على نفسي حزنا شديدًا. لقد أعجب الأستاذ بأسلوبي، وأسلوب الأستاذ صعب. وأحيانًا معقد. وليس من السهل فهمه. إذن فالأستاذ قد أعجبه أن يجد شيئًا منه في مقالي هذا».

واحتفظ أنيس منصور بهذا المقال الذي أعاد كتابته 32 مرة، وفي كل مرة يجرده من الكلمات الصعبة، ويضع له بداية ونهاية مختلفة، وظل يحتفظ بهذه المقالات التي اعتبرها عقوبة لنفسه وقلمه وتقليمًا لأظافره وتهذيبا لعقله ونفسه.