«كارثة غزة».. «بايدن» منع مجاعة بهدنة هشة و«ترامب» يدفع لـ«التهجير»

كتب: محمود العيسوي

«كارثة غزة».. «بايدن» منع مجاعة بهدنة هشة و«ترامب» يدفع لـ«التهجير»

«كارثة غزة».. «بايدن» منع مجاعة بهدنة هشة و«ترامب» يدفع لـ«التهجير»

يعيش مئات الآلاف من الفلسطينيين فى قطاع غزة على حافة كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط تدهور متسارع للأوضاع، منذ انهيار الهدنة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية فى مارس الماضى. آلاف الحاويات المحملة بالغذاء والدواء ومواد الإيواء عالقة عند المعابر، فى انتظار إذن إسرائيلى بالدخول، بينما يهدد النقص الحاد فى الإمدادات بمجاعة واسعة النطاق.

وتعتبر صحيفة «فورين أفيرز» أن المشهد الإنسانى فى قطاع غزة انقلب رأساً على عقب بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، الذى تم التوصل إليه خلال الأيام الأخيرة لإدارة الرئيس الأمريكى السابق، جو بايدن، وتفاقمت الكارثة الإنسانية يوماً بعد يوم، فى ولاية الرئيس دونالد ترامب، حتى بلغت ذروتها مع استمرار جيش الاحتلال الإسرائيلى فى استخدام «سلاح التجويع» لإجبار الفلسطينيين على مغادرة قطاع غزة، الذى أعلن «ترامب» نفسه عن خطته لتحويله إلى منتجع سياحى سماه «ريفيرا الشرق الأوسط».

وذكرت الصحيفة الأمريكية أنه خلال الهدنة، التى تم التوصل إليها فى يناير 2025، قبل أيام من مغادرة «بايدن» البيت الأبيض، كانت سلطات الاحتلال الإسرائيلى تسمح بدخول كميات كبيرة من المساعدات إلى غزة، ولكن مع تجدد العمليات العسكرية، بعد انهيار مفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، عمدت السلطات الإسرائيلية إلى إغلاق جميع المعابر لأول مرة منذ أواخر أكتوبر 2023، بزعم الضغط على حركة «حماس» للقبول بصفقة تبادل الأسرى، واستمر الحصار الكامل 11 أسبوعاً، فى وقت كانت فيه المخزونات الغذائية فى القطاع تنفد بسرعة، بينما اكتفت «إدارة ترامب» بموقف المتفرج، حتى ارتفع مستوى الأزمة إلى حد أثار الغضب حتى بين أنصار الرئيس الجمهورى.

وأشارت «فورين أفيرز»، فى تقريرها عن الكارثة الإنسانية المتفاقمة فى غزة، إلى أنه عندما سمحت السلطات الإسرائيلية لاحقاً بدخول مساعدات محدودة، غيَّرت نموذج توزيع الغذاء الأساسى، متجاوزة الأمم المتحدة، ومعظم المنظمات الإنسانية، لصالح كيان جديد يتمثل فى «مؤسسة غزة الإنسانية»، ورغم استمرار عمل الأمم المتحدة فإنها واجهت صعوبات تشغيلية وقيوداً شديدة، ونتيجة لذلك فإن ما دخل من مساعدات غذائية، بين مارس ويوليو، لا يتجاوز 20 ألف طن شهرياً، أى نحو ثلث الكمية التى حددها برنامج الأغذية العالمى كحد أدنى لتجنب المجاعة، ولعل الصور التى تتناقلها وسائل الإعلام الدولية العاملة فى غزة لوجوه أطفال هزيلة، وأحياء منكوبة، تعكس حجم التدهور المقلق للوضع الإنسانى الذى يعيشه أكثر من مليونى فلسطينى فى غزة.

تجربة «إدارة بايدن» تُظهر أن منع المجاعة لم يكن مستحيلاً لكنه تطلَّب تدخلاً أمريكياً وضغطاً على الاحتلال

وأضاف التقرير أنه خلال الأشهر الـ18 الأولى من الحرب، التى اندلعت بعد هجوم حركة «حماس»، فى 7 أكتوبر 2023، كان الوضع الإنسانى صعباً، لكن جهود الإدارة الأمريكية السابقة لعبت دوراً حاسماً فى منع الانزلاق نحو المجاعة، ورغم أن «بايدن» أعلن منذ البداية دعمه لما سماه «حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها»، فإنه شدد فى الوقت نفسه على مسئولية سلطات الاحتلال فى «الحد من الضرر الواقع على المدنيين، وضمان وصول الغذاء والدواء والمأوى إلى سكان القطاع»، وفى هذا الإطار خاض المبعوث الأمريكى السابق الخاص للملف الإنسانى فى الشرق الأوسط، ديفيد ساترفيلد، إضافة إلى سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، توم نيدز، مفاوضات شبه يومية مع المسئولين فى حكومة الاحتلال، برئاسة بنيامين نتنياهو، وعلى جميع المستويات، بهدف ضمان وصول الإمدادات الضرورية إلى غزة، حتى ولو بشكل متقطع.

عقب هجوم «7 أكتوبر» الذى صدم المجتمع الإسرائيلى فرضت سلطات الاحتلال حصاراً كاملاً على غزة ومنعت دخول المساعدات

واعتبرت الصحيفة الأمريكية أن «الإنجاز، رغم محدوديته، كان واضحاً»، مشيرةً إلى أنه «خلال عام ونصف من القتال المستمر، لم تعرف غزة مجاعة شاملة، بفضل دخول شحنات الإغاثة بوتيرة كافية، لتجنب الانهيار الكامل»، وتابعت: «الأمر لم يكن صدفة، بل نتاج عمل دبلوماسى شاق، شاحنة بشاحنة، ومعبراً بمعبر، متغلباً على عقبات سياسية وميدانية متكررة»، مشيرةً إلى أنه عقب هجوم «حماس»، فى 7 أكتوبر، الذى صدم المجتمع الإسرائيلى، فرضت سلطات الاحتلال الإسرائيلى حصاراً كاملاً على غزة، ومنعت دخول أى مساعدات، ورفع عدد من المتطرفين فى الحكومة شعار «لا قطرة ماء، لا قطرة حليب، لا قطرة وقود ستدخل غزة».

وأضافت الصحيفة أن «هذا الموقف كان يمكن تبريره فى سياق الصدمة، لكنه لم يكن قابلاً للاستمرار، مع تزايد الاحتياجات الإنسانية»، ومنذ الأيام الأولى أوضح المسئولون الأمريكيون أن على إسرائيل إيجاد آلية لإدخال المساعدات، «الرسالة كانت أخلاقية واستراتيجية فى آن واحد»، بدعوى أن «تلبية الاحتياجات الإنسانية للفلسطينيين ستمنح إسرائيل الوقت والدعم الدولى الكافى لإنجاز مهمتها العسكرية ضد حماس»، ووصفت زيارة «بايدن» إلى إسرائيل فى 18 أكتوبر 2023، بأنها «كانت لحظة فارقة»، إذ أعلن تضامنه مع تل أبيب، لكنه شدد، علناً وسراً، على أن نجاح العملية العسكرية يتطلب «حملة إنسانية موازية وفعالة»، كما حذر من أن الدعم الأمريكى لن يكون بلا سقف، وأن استمرار العمليات مرهون بفتح مسارات إغاثية.

«فورين أفيرز»: انهيار الهدنة فى مارس فتح الباب أمام «أسوأ أزمة جوع» فى العالم.. و«صراع أجنحة» فى إسرائيل يعرقل وصول المساعدات

وجاء فى تقرير «فورين أفيرز» أن إقناع الحكومة الإسرائيلية بتلبية احتياجات المدنيين الفلسطينيين «لم يكن سهلاً»، خصوصاً فى ظل تحالف «نتنياهو» مع أحزاب يمينية متشددة تطالب بإعادة احتلال قطاع غزة بالكامل، وهددت تلك القوى المتطرفة بإسقاط الحكومة إذا تم اتخاذ قرارات تخالف أجندتها، بما فى ذلك فتح المعابر أمام المساعدات، كما أن عدداً من المسئولين الإسرائيليين أبدوا انزعاجهم من الضغط الأمريكى لمنع انزلاق الوضع إلى كارثة إنسانية، وزعموا أن تقديم المساعدات يجب أن يكون «قراراً سيادياً» لتل أبيب، لكن «إدارة بايدن» تعاملت مع ذلك الأمر بـ«مرونة سياسية»، حيث شجَّعت «نتنياهو» على تبرير قراراته بالسماح بدخول المساعدات، أمام شركائه فى التحالف الحكومى، باعتبارها «استجابة لمطالب واشنطن»، مما أتاح له الحفاظ على «توازن دقيق».

بعد زيارة «بايدن» وافقت إسرائيل على فتح معبر رفح لدخول المساعدات من مصر، فى البداية كان معدل الدخول لا يتجاوز 20 شاحنة يومياً، وهو رقم بعيد عن تلبية الاحتياجات، وكانت هناك «تحديات لوجيستية» تتمثل فى صعوبة مرور الشاحنات الثقيلة عبر معبر رفح، إضافة إلى «تحديات سياسية» تتمثل فى القيود التى فرضتها سلطات الاحتلال لتوجيه الشاحنات إلى معبر «كرم أبوسالم»، لخضوعها للتفتيش قبل السماح بعبورها إلى قطاع غزة، مما تسبَّب فى تأخير المساعدات، ومع تزايد الضغوط من جانب «إدارة بايدن» ارتفع عدد الشاحنات تدريجياً إلى نحو 75 يومياً، لكن ذلك ظل أقل من المطلوب بكثير، ومع ذلك كانت هذه الكميات، عند دمجها مع جهود منظمات الإغاثة، كافية لتفادى «مجاعة واسعة» حتى أوائل عام 2025.

إلا أنه عندما تسلم «ترامب» رئاسة الولايات المتحدة فى يناير 2025، كانت «هدنة بايدن الهشة» تمنح الفلسطينيين مساحة للتنفس، ولكن بمجرد انهيارها فى مارس فرضت سلطات الاحتلال الحصار الكامل مجدداً، ولم تبادر «إدارة ترامب» بممارسة أى ضغط على حكومة نتنياهو، إلا بعدما أصبحت الأزمة تهدد شعبية الرئيس الأمريكى داخل الولايات المتحدة، وحتى عند استئناف إدخال المساعدات إلى غزة، تم تغيير قنوات التوزيع، مما قلل فاعلية المساعدات، وتسبب فى إرباك كبير.

واختتمت الصحيفة تقريرها بالقول إن سكان غزة يواجهون خطراً مضاعفاً، ونقصاً شديداً فى الغذاء، وفوضى أمنية داخلية تعرقل إيصال المساعدات، وانقسام بين الجهات المانحة حول آليات التوزيع، وأضافت أن تجربة «إدارة بايدن» تُظهر أن منع المجاعة فى غزة لم يكن مستحيلاً، لكنه تطلَّب تدخلاً أمريكياً نشطاً، وضغطاً مستمراً على الاحتلال، وتنسيقاً حذراً مع أطراف متعددة، فى المقابل، يكشف الواقع الحالى أن غياب هذا النوع من الانخراط يسمح بانهيار سريع للوضع الإنسانى، ومع ازدياد التحذيرات من «مجاعة شاملة» تظل الكرة فى ملعب الأطراف الدولية، خاصةً واشنطن، لفرض آليات فعالة تضمن دخول مئات الشاحنات يومياً، بعيداً عن التجاذبات السياسية والحسابات الداخلية.


مواضيع متعلقة