قمة «ترامب - بوتين» في ألاسكا.. استقبال حافل دون اتفاق لإنهاء الحرب الأوكرانية
قمة «ترامب - بوتين» في ألاسكا.. استقبال حافل دون اتفاق لإنهاء الحرب الأوكرانية
وسط ترقب عالمى ومشهد بروتوكولى لافت، اختُتمت القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، ونظيره الروسى فلاديمير بوتين، فى ألاسكا، دون التوصل لأى اتفاقات ملموسة بشأن إنهاء الحرب «الروسية - الأوكرانية»، المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف.
ورغم الأجواء الودية، وكلمات الإطراء المتبادلة، خرج الطرفان بتصريحات عامة عن «التقدم» و«الاجتماع المثمر»، من دون أن يكشفا عن أى تفاصيل، أو يحددا خطوات عملية نحو وقف إطلاق النار، أو بدء مفاوضات سلام، الأمر الذى دفع صحيفة «نيويورك تايمز» إلى القول إن أبرز ما أسفرت عنه «قمة ألاسكا» يتمثل فى أن الرئيس الروسى، الذى يزور الأراضى الأمريكية لأول مرة منذ ما يزيد على عقد من الزمان، عاد إلى موسكو بعد أن قام بشراء مزيد من الوقت لمواصلة الحرب فى أوكرانيا.
وذكرت الصحيفة الأمريكية، فى تقرير لها حول نتائج لقاء «ترامب - بوتين»، أن ولاية ألاسكا شهدت حدثاً دبلوماسياً استثنائياً، فى الساعات الأولى من يوم الجمعة، حين هبطت الطائرة الرئاسية الروسية فى قاعدة «إلمندورف - ريتشاردسون» العسكرية المشتركة فى «أنكوراج»، حيث كان الرئيس الأمريكى فى استقبال نظيره الروسى، فى مشهد لم يخلُ من استعراض للقوة، إذ حلّقت مقاتلات أمريكية فوق القاعدة فى عرض جوى صاخب، قبل أن يستقبل «ترامب» ضيفه على البساط الأحمر، ويصطحبه فى سيارته الرئاسية إلى مقر القمة.
هذه اللفتة البروتوكولية، التى حملت رسائل سياسية رمزية، عكست مدى حرص رئيس الولايات المتحدة على إظهار أجواء ودية أمام العالم، فى أول لقاء مباشر بين الزعيمين منذ عودة «ترامب» إلى البيت الأبيض فى ولايته الثانية، كما أنها شكلت إشارة ضمنية إلى رغبة الإدارة الأمريكية فى فتح قنوات تواصل مباشرة مع موسكو، رغم التوترات التى ألقت بظلالها على العلاقات الثنائية بين الجانبين، منذ الغزو الروسى لأوكرانيا فى فبراير 2022.
شارك فى اللقاء من الجانب الأمريكى وزير الخارجية ومستشار الأمن القومى ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، فى حين حضر عن الجانب الروسى وزير الخارجية سيرجى لافروف، ومستشار الأمن القومى يورى أوشاكوف. وبحسب مصادر دبلوماسية ركزت المحادثات على ثلاثة ملفات رئيسية، تتضمن «الحرب فى أوكرانيا، ومستقبل العلاقات الثنائية، وإمكانية التعاون فى مجالات اقتصادية وأمنية محدودة».
«نيويورك تايمز»: الرئيس الروسى يغادر أمريكا بعد زيارته الأولى منذ 10 سنوات بـ«مزيد من الوقت».. ورجل «البيت الأبيض» يتحدث عن «تقدم» بلا تفاصيل
وأضافت «نيويورك تايمز»، فى تقريرها، أن «ترامب»، الذى دخل القمة طامحاً إلى إقناع «بوتين» بالالتزام بوقف إطلاق النار، أو الشروع فى مفاوضات مباشرة مع «كييف»، حاول استثمار العلاقة الشخصية التى تجمعه بالرئيس الروسى لتحقيق اختراق فى الأزمة، لكن وبعد ساعتين ونصف من النقاشات، اعترف أمام الصحفيين بقوله: «لم نصل بعد إلى الهدف، لكننا أحرزنا بعض التقدم».
هذا الاعتراف، الذى ترافق مع رفض الإفصاح عن أى تفاصيل أو اتفاقات، عزَّز الانطباع بأن القمة لم تحقق اختراقاً حقيقياً، وأن الطرفين اكتفيا بتبادل الرسائل السياسية والإشارات الودية أمام الكاميرات.
بالنسبة للرئيس الروسى، كانت القمة فرصة ذهبية لإعادة تقديم نفسه على الساحة الدولية، بعد سنوات من العزلة الغربية، فظهوره على الأراضى الأمريكية لأول مرة منذ عقد، وحصوله على استقبال رسمى من رئيس الولايات المتحدة، شكّل بالنسبة له «انتصاراً رمزياً»، ورسالة موجهة إلى الداخل الروسى، وإلى خصومه فى الغرب، وحرص «بوتين»، فى تصريحاته، على استعادة محطات من «التاريخ المشترك» بين البلدين، مشيراً إلى التعاون العسكرى خلال الحرب العالمية الثانية، مؤكداً أن الولايات المتحدة وروسيا «تتقاسمان قيماً مشتركة»، كما كرَّر روايته القائلة بأن «الحرب فى أوكرانيا ما كانت لتقع لو بقى ترامب فى البيت الأبيض»، وهو تصريح اعتبره مراقبون محاولة لإرضاء مضيفه، وتغذية سردية ترامب السياسية الداخلية.
ولم يتوقف الرئيس الروسى عند هذا الحد، بل دعا إلى «طى صفحة الخلافات»، وفتح صفحة جديدة فى العلاقات بين موسكو وواشنطن، مشدداً على أن روسيا «لها مصالح وطنية يجب أن تُحترم»، فى إشارة إلى تمسكه بمواقفه حيال أوكرانيا، كما لم يتردد فى اقتراح عقد القمة المقبلة فى موسكو، وهى دعوة قوبلت من «ترامب» بابتسامة ورد عليها بقوله: «فكرة مثيرة للاهتمام، قد تثير بعض الجدل، لكن يمكن أن ندرسها».
اللافت أن الرئيسين عقدا مؤتمراً صحفياً مقتضباً، عقب المحادثات، لم يتجاوز 15 دقيقة، امتنعا خلاله عن تلقى أسئلة من الصحفيين، فى خطوة فسَّرها مراقبون بأنها محاولة لتجنب الإحراج، أو كشف حجم الخلافات، حيث اكتفى «ترامب» بوصف اللقاء بأنه «مثمر للغاية»، وأن «نقاطاً عديدة تم الاتفاق عليها»، لكنه عاد ليؤكد: «لا يوجد اتفاق حتى يتم التوصل إلى اتفاق شامل»، هذا الغموض لم يكن جديداً على أسلوب «ترامب» فى المؤتمرات الصحفية الدولية، لكنه هذه المرة جاء مصحوباً بإحساس بـ«خيبة أمل»، خاصةً بعد أن كان قد صرّح قبل القمة بأن احتمالات فشلها تصل إلى 25%، معتبراً إياها «اجتماعاً استكشافياً»، قد يمهّد لقمة ثلاثية تجمعهما بالرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى، إذا ما سارت الأمور فى الاتجاه الصحيح.
على أرض المعركة تبدو الأمور أكثر تعقيداً، إذ يستفيد الجيش الروسى من طول أمد النزاع، لاستنزاف الدفاعات الأوكرانية، وتعزيز مواقعه فى شرق البلاد، ومن منظور استراتيجى فإن إطالة أمد المفاوضات، أو عدم التوصل إلى نتائج حاسمة، يمنح موسكو وقتاً إضافياً لترسيخ مكاسبها، هذا الواقع كان حاضراً فى التحليلات التى أعقبت القمة، حيث اعتبر خبراء أن «بوتين» خرج مستفيداً، ليس فقط لأنه كسر عزلته الدولية، بل لأنه لم يقدم أى تنازلات جوهرية، بينما حصل على فرصة لتحسين صورته أمام الرأى العام الروسى والعالمى.
ففى موسكو، احتفى الإعلام الرسمى بزيارة «بوتين» إلى الولايات المتحدة، ووصفت المتحدثة باسم الخارجية، ماريا زاخاروفا، استقبال الرئيس الأمريكى لنظيره الروسى بأنه «انتصار دبلوماسى»، كما سخرت «زاخاروفا» من مزاعم الغرب حول «عزلة روسيا»، وكتبت فى منشور على مواقع التواصل الاجتماعى: «لسنوات، تحدثوا عن عزلة روسيا، واليوم شاهدوا البساط الأحمر يُمد للرئيس (بوتين) فى الولايات المتحدة»، أما فى الغرب فكان رد الفعل أكثر حذراً، إذ أعربت دوائر سياسية فى كل من واشنطن وبروكسل عن قلقها من أن تمنح هذه اللقاءات الرئيس الروسى شرعية دولية، من دون إلزامه بخطوات عملية لإنهاء الحرب.