فيضانات باكستان تكشف غياب «الإنذار المبكر».. وقعت الكارثة بعد تجاهل التحذيرات
فيضانات باكستان تكشف غياب «الإنذار المبكر».. وقعت الكارثة بعد تجاهل التحذيرات
فى مشهد يعيد إلى الأذهان واحدة من أقسى صور المآسى الإنسانية، اجتاحت الفيضانات العارمة مناطق واسعة من شمال باكستان، حاصدة أرواح نحو 400 شخص خلال أيام معدودة، ومخلفة وراءها قرى مدمَّرة وجسوراً منهارة وطرقات مقطوعة، وسط صرخات استغاثة لم تجِد من يُنقذها فى الوقت المناسب، المشهد لم يكن مفاجئاً، بل كان حلقة جديدة فى سلسلة كوارث طبيعية لطالما حذر منها الخبراء، لكن تجاهل الحكومات المتعاقبة لبناء منظومة فعالة للإنذار المبكر جعل الخسائر أكبر، والثمن أفدح.
«ديلى باكستان»: موجات عنيفة تقتلع المنازل وتبتلع الطرقات.. وأنهار جليدية تتحول إلى «سيول قاتلة».. والمياه تحاصر 700 سائح فى «كشمير»
ووفق تقرير لصحيفة «ديلى باكستان»، فقد بدأت الكارثة بهطول أمطار موسمية غير مسبوقة، تحولت إلى سيول جارفة، اجتاحت مناطق «خيبر بختونخوا، وجلجت بلتستان، وأزاد كشمير»، لدرجة أن الأنهار التى فاضت المياه على جانبيها، دفعت بموجاتها العنيفة لتجرف معها القرى، وتقتلع المنازل، وتبتلع الطرقات، بينما تحولت الجداول الجليدية فى «جلجت بلتستان» إلى سيول قاتلة.
فى «سكردو» انهارت خمسة جسور، وفى «تشلاس» جرف تيار جليدى قرية بأكملها، ليحصد عشرة أرواح على الأقل، أما فى «خيبر بختونخوا» فكانت الأكثر تضرراً، حيث أعلنت هيئة إدارة الكوارث الإقليمية عن وفاة 307 أشخاص، فى غضون 48 ساعة فقط، بينهم نساء وأطفال، فيما دُمّرت عشرات المنازل فى «سوات وباجور وتورجار ومانسيرا وبونير وشانجلا وبتاجرام».
وبرزت منطقة «بونير» باعتبارها مركز المأساة، بعدما اجتاحت السيول المفاجئة والغيوم المنفجرة قرى بأكملها، لتبتلع المياه أسواقاً ومنازل وحتى مركزاً للشرطة، أكثر من 184 شخصاً لقوا مصرعهم فى لحظات، فيما اكتظت المستشفيات بالمصابين، وسط نقص حاد فى الإمكانات، ورغم خطورة المشهد، اندفع شباب القرى لإنقاذ مَن استطاعوا إنقاذه، فى بطولة إنسانية أعادت التذكير بقوة التضامن الشعبى فى مواجهة الكوارث.
فى «أزاد كشمير»، علق أكثر من 700 سائح قرب بحيرة «راتى جالى»، بعدما جرفت الفيضانات طريقاً بطول 1.5 كيلومتر، وعملت فرق الإنقاذ، بمشاركة الجيش والشرطة والسلطات المحلية، على مدار ساعات طويلة، ونجحت فى إخراج جميع المحاصرين، وإنقاذ نحو 98 سيارة، إلا أن الحادثة تعكس حجم المخاطر التى يواجهها السكان والزوار فى المناطق الشمالية من باكستان، وفى «بتاجرام»، استخرجت فرق الإنقاذ 14 جثة من نهر «ناندهيار»، بينما لا تزال عمليات البحث جارية عن 7 أشخاص، جرفتهم السيول فى قرية «ديرى حليم».
الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث فى باكستان أصدرت تحذيرات من هطول مزيد من الأمطار الغزيرة بين 18 و22 أغسطس، ما يهدد بتفاقم الوضع المنهار أصلاً، وفى وقت تستمر الخسائر البشرية والمادية بالتصاعد، تدفقت رسائل التعزية والدعم الدولى، إذ أعربت كل من مصر والسعودية وتركيا وإيران والكويت وروسيا وأستراليا عن تضامنها مع باكستان، واستعدادها لتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.
لكن وسط هذا المشهد الكارثى، برزت أصوات محلية تنتقد تجاهل الحكومات المتعاقبة لبناء نظام فعال للإنذار المبكر، فقد حمَّل المحلل الباكستانى عثمان شامى، رئيس التحرير التنفيذى لصحيفة «ديلى باكستان»، السلطات مسئولية الخسائر الكبيرة قائلاً إن «الجيش يبقى دائماً المستجيب الأول للكوارث، بينما تفتقد المؤسسات المدنية القدرة على مواجهة الأزمات».
وأعاد «شامى» التذكير بأن البنك الدولى قدم، فى عام 2017، منحة بقيمة 188 مليون دولار، لتطوير أنظمة الرصد الهيدرولوجى والمناخى، بينها 106 ملايين دولار مخصصة لإنشاء نظام رادار للإنذار المبكر من الفيضانات، لكن بسبب صراعات بيروقراطية بين المؤسسات، بقيت الأموال مجمدة لمدة خمس سنوات كاملة، وأضاف أنه حتى بعد كارثة فيضانات 2022 المدمرة، لم يتم تفعيل الخطة، بل جرى تحويل 150 مليون دولار من المخصصات لدعم الضحايا، بدلاً من بناء النظام الوقائى، واليوم، وبعد كارثة 2025، لم تُخصص سوى 40 مليون دولار لتطوير النظام، وهو رقم هزيل قياساً بحجم الخسائر.
كما وجّه «شامى» انتقادات حادة لما وصفها بـ«ازدواجية السياسات الحكومية فى مجالات الطاقة والضرائب»، مؤكداً أن «أولويات الحكومة لا تعكس أبداً الاهتمام الحقيقى بحماية المواطنين، أو تخفيف معاناتهم»، وأضاف أن «ما يجرى اليوم يثبت أن غياب الإرادة السياسية والبيروقراطية المتخبطة، يحوّلان أى كارثة طبيعية إلى مأساة وطنية يصعب تعويضها».
واختتمت الصحيفة الباكستانية تقريرها بالقول إن هذه الكارثة تكشف مجدداً أن الطبيعة لا تنتظر بيروقراطية، ولا تتسامح مع الإهمال، وأن أنظمة الإنذار المبكر، التى تمتلكها معظم دول العالم، باتت مسألة حياة أو موت، بينما تستمر باكستان فى دفع ثمن باهظ بسبب صراعات داخلية، وتقاعس إدارى، وأضافت أن الضحايا ليسوا مجرد أرقام فى بيانات رسمية، بل عائلات فقدت أحباءها، وقرى مُسحت من الخريطة، وبلد يواجه سؤالاً وجودياً: «متى تتعلم الحكومات أن التحذيرات التى يتم إهمالها يمكن أن تتحول إلى قبور جماعية؟».