«قمة ألاسكا».. ورسالة «ميلانيا»
اختار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ولاية ألاسكا لعقد القمة الأكبر فى العالم بين رئيسى أكبر قوتين فى العالم لعدة أسباب:
- أبرزها رمزية هذه الولاية للاتحاد السوفيتى، حيث باعتها الإمبراطورية السوفيتية لأمريكا عام ١٨٢٧، وكأن «ترامب» يريد أن يقول لبوتين أنت تقف على أرض كانت ملككم حتى نهاية القرن التاسع عشر والآن أصبحت ملكنا، لتصبح مظهراً من مظاهر قوة أمريكا، وباعتبار «بوتين» أول رئيس روسى يزور هذه الولاية.
- هى المكان الأنسب أمنياً لهذه القمة، حيث تعقد فى القاعدة العسكرية الأكبر فى الولايات المتحدة التى يطلق عليها اسم «المندروف - ريتشاردسون» فمساحتها ٨٥ ألف فدان، وتضم أحدث الأسلحة فى الولايات المتحدة.
- تعد منطقة وسطى بين واشنطن وموسكو.
هذا بالنسبة للمكان، أما بالنسبة للهدف، فهدف «ترامب» هو وقف الحرب بين أوكرانيا وروسيا، وتحقيق سلام، حتى لو كان وهمياً، فهو يريد السلام ليس لأنه محب للسلام ولا من أجل عيون «بوتين» أو «زيلينسكى»، لكن عينه على جائزة نوبل للسلام، ويملك «ترامب» أقوى ورقة ضغط وهى العقوبات الاقتصادية التى تعد الأكبر والأقسى فى تاريخ العقوبات، وليس كما يعتقد البعض أن ورقة ضغط «ترامب» هى استمرار دعم أوكرانيا بالأسلحة!
أما الهدف الاستراتيجى لبوتين فلم يتغير منذ إطلاقه أول رصاصة تجاه أوكرانيا ألا وهو:
السيطرة على لوجانيسك ودونيتسك وزابوريجيا وخيرسون، وشبه جزيرة القرم التى ضمها عام 2014.. وعدم مطالبة أوكرانيا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبى، وبالتبعية إلى حلف الناتو لأنه يرى ذلك تهديداً للأمن القومى لبلاده. وإذا كانت قمة ألاسكا التى استغرقت ساعتين ونصف الساعة، لم يعلن عنها أى نتائج، فإنها قد تمهد الطريق لوقف الحرب إذا استطاع «ترامب» الضغط على «زيلينسكى» بقبول مطالب «بوتين»، والاستعاضة عن انضمامه لحلف الناتو بإعطائه ضمانات أمنية، ولكن دون أن تكون بلاده شريكة فيها، وتكون هذه الترتيبات بأسلحة أوروبية. ويقف الاتحاد الأوروبى عقبة فى وجه هذه الصفقة، لأنها من وجهة نظرهم تزيد من النفوذ الروسى وتقوى شوكته، وهذا ما دفع عدداً من قادة أوروبا إلى الذهاب مع «زيلينسكى» إلى واشنطن، حتى لا يتعرض لما تعرض له فى المقابلة السابقة من ضغط وإهانة من قبل «ترامب». ولا شك أن «ترامب» سينجح فى الضغط على أوروبا بسهولة إذا ما لوح بوقف الدعم الذى تقدمه بلاده للناتو، ولأنه انتصر على أوروبا من قبل فى معركة الرسوم الجمركية.
الرابح تاريخياً فى هذه الصفقة هو «بوتين» وبلاده، لأنه سيستعيد مناطق روسية تم استقطاعها من بلاده، رغم أنه على المستوى الاقتصادى قد خسر تريليونات الدولارات نتيجة الحرب والعقوبات، وقد ظهر ذلك جلياً فى أرقام الاقتصاد الروسى وانخفاض حجم الناتج الصناعى وارتفاع التضخم، وانخفاض نسبة البطالة إلى ٢٫٢٪ والتى هى مؤشر سلبى فى حالة روسيا الآن، لأنها تعكس هروب الأيدى العاملة إلى الخارج، وتوجيه نسبة كبيرة من الشباب والأيدى العاملة إلى صفوف الجيش.
ما لفت نظرى فى قمة «ترامب - بوتين» هى رسالة «ميلانيا»، زوجة الرئيس الأمريكى، التى سلمها «ترامب» لنظيره الروسى والتى كانت تتضمن وقف قتل الأطفال الأوكرانيين، لأنها تتألم عندما ترى هذه الصور المأساوية، والغريب فى هذه الرسالة الإنسانية، أن السيدة «ميلانيا» لم تكتب مثلها لـ«نتنياهو» الذى يقتل ٢٧ طفلاً فلسطينياً يومياً منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، إما بالرصاص أو بالقنابل أو بالتجويع أو التعطيش أو بمنع الأدوية، رغم اللقاءات المتكررة بين زوجها ورئيس الوزراء الإسرائيلى. وأرى أن رسالة «ميلانيا» هى ضمن سيناريو الدعاية لزوجها لنيل نوبل، حتى يقال إنه أوقف حرباً كان يُقتل فيها الأطفال!
وطبعاً فى العُرف الأمريكى فإن قتل الأطفال فى غزة هو دفاع عن النفس! والمؤشرات تؤكد أن الحرب الروسية - الأوكرانية ستتوقف خلال أسابيع.