منذ أن سقطت جماعة الإخوان بإرادة الشعب، برز سؤال ظل يتردد فى أذهان الكثيرين: ما مصدر هذا العنف الذى تفجر فجأة كالبركان من تنظيم الإخوان؟ هل هو نابع من جوهر الإسلام، أم أنه نتاج فكر منحرف تستَّر برداء الدين؟ والحقيقة التى لا لبس فيها أن الإسلام - دين التسامح والرحمة - برىء من هذه الأفعال، فهو يدعو إلى التراحم والتواد، لا إلى الإكراه والصراع. أما ما يُسمى بـ«الإسلام السياسى»، الذى أعاد الإخوان صياغته فى العصر الحديث، فهو امتداد مشوه لتراث الخوارج، حولوا فيه رسالة الإسلام - التى جاءت رحمة للعالمين - إلى أيديولوجيا حزبية ضيقة، تخدم أجنداتهم السياسية.
وكما شوّهت الصهيونية اليهودية باختزالها فى مشروع سياسى لفئة محدودة، فعل الإخوان بالإسلام حين حصروه فى أدوات هيمنة واحتكار للحقيقة، بدلاً من كونه دعوة رحبة للإنسانية جمعاء.
بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فزرعوا فى أتباعهم أوهام «الفرقة الناجية»، وهى فكرة إقصائية مغلّفة بثوب الدين، تزعم أن البشر خُلقوا وقوداً للنار، بينما خصّص الله الجنة لجماعتهم وحدهم! فكانت النتيجة صورة مشوّهة للإسلام، بعيدة كل البعد عن صفائه الأصلى وسماحته، وجوهره النقى الذى أراده الله تعالى رحمة وهدى للناس.
وزادوا الطين بلة حين خلطوا بين التجارب السياسية للمسلمين الأوائل، وهى اجتهادات بشرية تحكمها الظروف التاريخية، وبين جوهر الدين الثابت. فحولوا هذه الاجتهادات إلى نصوص مقدسة لا تقبل النقاش أو المراجعة.
هذا الخلط جعل الدين أداة لتبرير أهدافهم السياسية، فاستخدموا مفاهيم مثل «التقية» و«الضرورات تبيح المحظورات» لتبرير الكذب والتضليل والتكفير، مدعين أن ذلك فى سبيل «إقامة الدين». هكذا، بدلاً من إصلاح السياسة بالدين، أفسدوا الدين بالسياسة، وقطعوا صلة الإسلام بروحانيته وإنسانيته، مما أضعف دعوته العالمية وجعلها رهينة لأطماعهم الحزبية.
هذا التحريف لم يقتصر على تشويه العقيدة، بل امتد إلى تقويض وحدة الأمة، إذ زرعوا بذور الفرقة والصراع الداخلى، وسعوا للهيمنة على المجتمعات عبر استغلال المشاعر الدينية، بدلاً من تعزيز قيم التسامح والتعايش التى دعا إليها الإسلام. ومع فشل مشروعهم السياسى، بات واضحاً أن هذا النهج لا يقدم حلولاً لتحديات العصر، بل يعمق الأزمات، ويدفع الشعوب نحو البحث عن إسلام إنسانى يعيد للدين دوره كمنهج للعمران والسلام، لا كأداة للصراع والإقصاء.
ولم يكن سقوطهم سوى نتيجة طبيعية لمشروع قائم على الشعارات العاطفية من دون رؤية عصرية قابلة للتطبيق، وعلى الخداع باسم الدين، وعلى ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة فى السياسة، وعلى رفض التعددية والشراكة الوطنية.
وبغباء فقهى منحرف حاولوا إسقاط فقه سياسى قديم على واقع متغير، فكان الفشل محتوماً، وكان سقوطهم مسألة وقت. ولذلك فإن العنف الذى ظهر لم يكن عارضاً على مسيرتهم، بل كان جزءاً أصيلاً فى بنيتهم الفكرية.
فحسن البنا أعلن مبكراً أن القوة ستُستخدم حين لا ينفع غيرها، وسيد قطب مضى أبعد حين اعتبر أن الدين إنما يجب أن يُفرض بالقوة على الناس، ومن هذه البذور خرجت جماعات التكفير والجهاد، التى أثمرت موجات العنف التى ألصقوها بالإسلام زوراً، ولذلك فإن الشعوب لم تعد تراهم ضحايا للأنظمة كما روّجوا طويلاً، بل تراهم خصوماً مباشرين للشعوب نفسها، فقد تحالفوا مع قوى خارجية، وشقّوا وحدة الأوطان، فسقطت عنهم كل الأقنعة.
لم تكن أزمتهم أزمة تنظيم يمكن إصلاحه، بل أزمة عقيدة وفهم. لقد رفعوا أنفسهم إلى مقام الطهر العقائدى وادّعوا أنهم وحدهم الصفوة، مع أن الله نهى عن تزكية النفس فقال: «فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى». ومع ذلك ظلوا يقولون عملياً «نحن خير منهم»، مكررين خطيئة إبليس حين قال «أنا خير منه». هذا الشعور المريض بالتفوق دفعهم إلى مخاصمة الجميع، وأدى إلى عزلتهم التامة، حتى لم يبق لهم من حليف سوى وهمهم الكبير بالسلطة.
ومن يتتبع خطاب قادتهم يرى نغمة التعالى والغرور تسرى فى عروق الجماعة منذ بداياتها. حسن البنا مهّد لذلك، ثم جاء سيد قطب ليضع البذرة التكفيرية، وتوالى المرشدون من بعدهم يصوغون خطاباً يزداد استعلاءً وانفصالاً عن الواقع.
وبهذا الاستعلاء لم يحصد الإخوان إلا السقوط المدوّى، ولم يجنوا سوى فضيحة الانكشاف. لقد توهموا أن السلطة سترفعهم، فإذا بها ترديهم. ظنوا أن مشروعهم بداية سيادة، فإذا به نهاية وجود.
ليس هناك من شك أن الإسلام باقٍ لأنه من عند الله، أما مسخ «الإسلام السياسى» فإلى زوال لأنه من عند الإخوان.