«قريقع».. يتيم تحدى الفقر وكان الجميع يحبه واستشهد جائعا خلال تأدية عمله في غزة
«قريقع».. يتيم تحدى الفقر وكان الجميع يحبه واستشهد جائعا خلال تأدية عمله في غزة
فى قلب حى الشجاعية، شرق غزة، حيث البيوت المتلاصقة وأصوات الحياة تختلط بأنين الفقر، وُلد الصحفى محمد محمد قريقع قبل 33 عاماً، جاء إلى الدنيا بلا أب، فوالده رحل قبل أن يراه، لكن والدته التى وجدت فيه عزاءها الوحيد، منحته اسمه تخليداً لذكرى والده.
كان «محمد» وحيدها، ورفيقها، وابنها البار الذى لم يعرف للحياة معنى سوى أن يكون سنداً لها، يقول «مالك»، ابن عمه، إن الصحفى الثلاثينى -الذى ارتقت روحه فى استهداف إسرائيلى خلال تأدية عمله- نشأ فى بيت متواضع، سقفه من الصفيح، لكن روحه كانت أوسع من السماء التى يطل عليها ذلك السقف.
منذ طفولته حمل همّ رعاية والدته المريضة بأمراض القلب والسكر، فكان لها الابن والطبيب والمرافق، يحيطها برعاية لا تنقطع. ويتابع «مالك»: «محمد رحمة الله عليه كان مهذباً لا تسمع صوته، كان جميل الخِلقة والخُلق، وكان حافظاً لكتاب الله تعالى منذ صغره، وكان صوته فى التلاوة عذباً يفيض بالسكينة، كما أتقن العربية حتى صار خطيباً فى أحد مساجد غزة، يصعد المنبر يوم الجمعة، ويؤم المصلين فى رمضان، فيمتلئ المسجد لخشوع صوته فى صلاة التراويح، كان يصلى وراءه عدد كبير من الناس، وكنا نفتخر به طوال الوقت، كان جميلاً دون تصنّع وهادئاً مع كاريزما، كان منضبطاً مثل الساعة».
يحكى «مالك» أن «محمد» كان محبوباً فى بيئته، يمد يده للجميع، يتعامل بلطف، ولا يذكر أحد أنه دخل فى خلاف أو تسبّب فى خصام: «كل تركيزه على مستقبله، لأنه أدرك مُبكراً أن طريق العلم هو نافذته لحياة أفضل، فجدّ واجتهد حتى نال شهادة البكالوريوس فى الإعلام من الجامعة الإسلامية بغزة». لم يكتفِ «أبوزين»، كما كان يحب أن يناديه من حوله بذلك، بل عمل على تطوير نفسه، حتى التحق بإذاعة القرآن الكريم، مُتنقلاً بين الميكروفون والكاميرا، يقدّم البرامج الإذاعية والتليفزيونية بروح المبدع ورسالة المخلص.
ويتابع: «رحل محمد وترك وراءه سيرة عطرة وذكرى لا تُمحى، أنا حتى هذه اللحظة لا أصدق أننا فقدناه، هو تجسيد لقصة ابن عاش لأجل أمه. ويضيف: «ارتبطت روحاهما، لدرجة أنه استُشهد فى مكان استشهاد والدته نفسه، وحقيقة عاش «محمد» لله، وبقى فى قلوب من عرفوه مثالاً للشاب الذى تحدّى الحياة بابتسامة وإيمان.. ما بينكسر حتى لقى ربه جائعاً صابراً مُحتسباً».