قصور مصر.. «الثقافة» في حضن التاريخ
قصور مصر.. «الثقافة» في حضن التاريخ
مخزون حضارى متنوع تمتلكه مصر يتراكم على أرضها عبر العصور، من بينها عدد من القصور الملكية التى أُضيفت إلى رصيد مصر الثقافى والحضارى، وانضمت إلى وزارة الثقافة لتوظيفها ثقافياً وتقديم الخدمة الثقافية للجمهور بصور مختلفة، من بينها مكتبة القاهرة الكبرى، ومركز الجزيرة للفنون مقر متحف الخزف الإسلامى بالزمالك، ومتحف محمد محمود خليل وحرمه بالدقى، وغيرها.
ويحتوى مركز الجزيرة للفنون بالزمالك على قصر الأمير عمرو إبراهيم (من أسرة محمد على)، الذى يعود تاريخه إلى عام 1923م. ويتألف القصر من طابق علوى وبدروم يضم أربع قاعات عرض مخصصة للعروض التشكيلية. وينتمى القصر إلى الطراز الإسلامى، ويقع ضمن جزيرة الزمالك التراثية التى سبق أن أدرجها الجهاز القومى للتنسيق الحضارى ضمن المناطق المتميزة معمارياً وذات الطابع الفريد، نظراً لما تضمه من مبانٍ تاريخية وتنوع فى الطرز المعمارية، فضلاً عن موقعها الجغرافى المميز وسهولة الوصول إليها.
متحف الخزف الإسلامي مستوحى من قصر الحمراء في غرناطة و«محمود خليل» على الطراز الفرنسي
وأضاف الفنان أمير الليثى، مدير متحف الخزف الإسلامى، أن الأمير عمرو إبراهيم اختار هذا القصر مقراً له لأنه كان محباً للسكن قرب النيل، مشيراً إلى أن القصر يتكون من طابقين وبدروم (قاعات العرض المتغير)، ويقع على مساحة نحو 774 متراً مربعاً، بينما تبلغ مساحة الحديقة 35٫592 متراً مربعاً.
وأوضح أن قصر الأمير عمرو إبراهيم شُيّد فى الأصل كقصر سكنى للأمير، بطراز معمارى فريد يجسد مزيجاً آسراً من الأساليب الفنية المتنوعة، حيث تتلاقى روح الكلاسيكية الأوروبية الرفيعة التى ازدهرت فى عصر أسرة محمد على مع لمسات مغربية وتركية وأندلسية أصيلة، فى تناغم بصرى أخاذ. ويُعد القصر مثالاً بارزاً على التزاوج المتقن بين الرؤية المعمارية الغربية، بما تحمله من دقة وتماثل وزخرفة متقنة، وبين الفن الإسلامى الشرقى بثرائه الزخرفى وتفاصيله الدقيقة، ما يجعله تحفة معمارية نادرة تنطق بعظمة الحقبة التى شُيّد فيها.
وبيّن أن الطراز الذى أُنشئ عليه القصر متأثر بقصر الحمراء فى غرناطة، حيث تكررت فيه العبارة الشهيرة «ولا غالب إلا الله». كما يحتوى القصر على مجموعة من الدفايات المميزة بألوانها الزاهية من التركواز والأزرق مع زخارفها البديعة.
وأضاف «الليثى» فى تصريحات لـ«الوطن»: أن المتحف يُعد واحداً من أهم المتاحف المصرية العريقة، لما يحتويه من مجموعات رائعة من المنتجات الخزفية النادرة، مؤكداً أهمية المقر الذى يضم نحو 325 قطعة خزفية ترجع لعصور مختلفة، مثل العصرين الأموى والعباسى، وبعضها من القرن الرابع الميلادى، وأخرى من القرن السادس عشر، وتنتمى إلى مناطق إنتاج مختلفة. كما تمثل هذه القطع الأساليب المتنوعة، وطرق الصناعة، والتقنيات التى ازدهرت فى تلك الحقب التاريخية. وأوضح أن هذه الأعمال مصدرها متحف الفن الإسلامى ومتحف الجزيرة، ليصبح متحف الخزف الإسلامى أول متحف متخصص من نوعه فى الخزف الإسلامى فى الشرق الأوسط.
ويمثل المبنى واحداً من أبرز المعالم المعمارية ذات القيمة المتميزة من حيث الطراز الإسلامى المملوكى والتوظيف الثقافى. وبعد ثورة 1952 آلت ملكية القصر إلى الدولة، وفى عام 1971 تسلمت وزارة الثقافة قصر الأمير عمرو إبراهيم لاستغلاله وملحقاته فى الأغراض الثقافية، حيث نقلت إليه مجموعة مقتنيات متحف محمد محمود خليل وحرمه من مقرها بالجيزة، نظراً لاختيار الرئيس أنور السادات لقصر محمد محمود خليل مقراً لرئاسة الجمهورية.
ويضم المتحف عدة قاعات متخصصة تعرض مقتنيات من عصور مختلفة تمتد من القرن الرابع الميلادى حتى القرن التاسع عشر الميلادى. وقد جرى تقسيم المعروضات على أساس الطرز الفنية، ومنها: قاعة الخزف الفاطمى، وقاعة الخزف التركى، وقاعة الخزف المصرى المملوكى، وقاعة الخزف الإيرانى، وقاعة الخزف الأندلسى، بالإضافة إلى مكونات القصر الأصلية التى تحوى مجموعة نادرة من الخزف السورى والعراقى، وقاعة الطراز المتعدد (الأيوبى، والمملوكى، والأموى) وغيرها من التحف الفنية المميزة.
ثم أعيد توظيف القصر كمتحف عام 1999، ليصبح مركزاً فنياً وثقافياً يجمع بين التراث المعمارى والوظيفة الفنية، مؤكداً أهمية توظيف القصر كمتحف لحماية الهوية الثقافية والتاريخية للمنطقة، وللحفاظ على هذه العناصر من الاندثار والضياع، فضلاً عن التعريف بها على المستويين المحلى والعالمى، وتعزيز مكانتها كمكوّن حى فى ذاكرة الأمة.
وتكمن أهمية المتحف -حسب مدير المقر- فى كونه متحفاً نوعياً يوضح النجاحات التى يحققها الخزاف المصرى، خاصة أن فن الخزف فن صعب، وأن هذه المقتنيات حين أُنتجت كان الغرض منها استخدامها فى الحياة اليومية، وهو ما يؤكد مدى ارتباط الفن بالمجتمع والجانب الوظيفى.
وأشار إلى أنه تم مؤخراً تسجيل مبنى مركز الجزيرة للفنون، مقر متحف الخزف الإسلامى، ضمن السجل المعمارى والعمرانى للتراث العربى، وذلك فى ختام أعمال الاجتماع العاشر للمرصد الحضرى التابع لمنظمة الألكسو (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم). وأكد أن توظيف المبانى الأثرية القديمة فى الأنشطة الثقافية اختيار موفق يضمن الحفاظ على الأثر، مشيداً بتوجه الدولة فى استغلال هذه المبانى للحفاظ عليها والترويج لقيمتها الحضارية الممتدة عبر السنين.
مكتبة مصر العامة تضم نحو 120 ألف وثيقة ما بين كتب ومايكروفيلم ومقتنيات مختلفة
أما مكتبة القاهرة الكبرى بالزمالك فهى نموذج آخر لتقديم الخدمة الثقافية فى هذا السياق، إذ تضم نحو 120 ألف وثيقة ما بين كتب، ومايكروفيلم، ومقتنيات مختلفة، وتشمل شتى أنواع المعارف: معارف عامة، وفلسفة، وعلوم اجتماعية، وأدب، وتاريخ، وعلوم بحتة وتطبيقية، فضلاً عن أرشيفات بعض الصحف مثل «الأهرام»، وبعض الخرائط من هيئة المساحة، ووثائق خاصة بالحملة الفرنسية.
وقال يحيى رياض، مدير مكتبة القاهرة الكبرى، إن المكتبة تقع داخل قصر الأميرة سميحة، الذى بُنى عام 1892 على يد موصيرى باشا أحد رجال الأعمال آنذاك، ثم انتقلت ملكيته إلى قطاوى باشا، وبعد بيعه عدة مرات اشترته الأميرة سميحة بنت السلطان حسين كامل، وعاشت فيه منذ عام 1942 حتى وفاتها عام 1984. وبعدها تولت وزارة الثقافة إدارة المكان وتحويل القصر إلى مكتبة مع الحفاظ على الشكل المعمارى والتراثى الداخلى له.
وكان المقر أحد القصور التى آلت إلى الدولة من أسرة محمد على. وقد استخدمته الأميرة سميحة كسكن، وكانت مُحبة للثقافة والفنون، وتنظم فيه صالوناً ثقافياً بباحة القصر. وبعد وفاتها تولت وزارة الثقافة مهمة تحويل القصر إلى مكتبة القاهرة الكبرى، مع تجهيزه بالكتب والمعدات والأجهزة.
وقد جرى تحويل القصر عن طريق الكاتب الصحفى كامل الزهيرى، نقيب الصحفيين الأسبق وأول رئيس مجلس إدارة للمكتبة، الذى تولى مهمة تحويله إلى مكتبة عامة. وتم افتتاح المكتبة رسمياً فى 24 أكتوبر 1995، لتصبح مكتبة القاهرة الكبرى على غرار المكتبة الوطنية فى باريس. وكان الكاتب جمال الغيطانى ثانى رئيس مجلس إدارة للمكتبة.
وتضم المكتبة ثلاثة طوابق، بالإضافة إلى طابق تحت الأرض، وتقع على مساحة نحو 4 آلاف متر مربع، وتضم حوالى 10 قاعات، منها: قاعة رئيسية (تمت توسعتها خارج الجسم الأصلى للقصر)، قاعة للفنون، قاعة للدوريات، قاعة للعلوم الاجتماعية، قاعة للطفل، قاعتان خاصتان بالطفل، قاعة للميكروفيلم، معملا كمبيوتر، وقاعة للعلوم التطبيقية. ويقصدها يومياً نحو 200 زائر من مختلف فئات المجتمع، حيث تقدم خدمات للباحثين والطلاب والمستفيدين عموماً، فضلاً عن أنشطتها الثقافية التى تناقش قضايا المجتمع.
وكان القصر يُعرف بـ«كعكة الزفاف» نظراً لشكل بنائه الذى يشبه الكعكة. وهو مبنى على الطراز الأندلسى الإسلامى، وقد جرى الحفاظ على شكله المعمارى والداخلى، فيما تتولى وزارة الآثار عمليات الترميم المختلفة باعتباره مبنى أثرياً. أما وزارة الثقافة، ومن خلال قطاع الإنتاج الثقافى، فتواصل أداء دورها فى صون المكان وتلبية احتياجات المكتبة للمحافظة على جمالياته.
ويُعد التوظيف الثقافى للمكان مفيداً جداً لأنه يربط بين المستفيدين والمثقفين والطراز المعمارى والقيم الجمالية المميزة، مما يخلق حالة من الألفة بين المثقف ومُحبى الجمال والطراز المعمارى، وهو ما يقاوم القبح. ودعا «رياض» إلى زيارة المكتبة، لأن القراءة تمثل وسيلة لمواجهة العديد من المشكلات، وعلى رأسها التطرف والقبح.
أما متحف محمد محمود خليل وحرمه بالدقى، فهو قصر السياسى المصرى محمد محمود خليل، الذى شُيّد عام 1915 كمقر إقامة له على الطراز الفرنسى. تبلغ مساحة القصر 1400 متر مربع، وتحيط به حديقة مساحتها حوالى 2400 متر مربع، ويتكون من أربعة طوابق. وقد أوصى مالكه، الذى توفى عام 1953، بأن تؤول ملكية المبنى ومقتنياته إلى زوجته، على أن يتحول إلى متحف حكومى بعد رحيلها.
افتُتح القصر كمتحف لأول مرة عام 1962، ثم نُقلت مقتنياته إلى قصر الأمير عمرو إبراهيم بالزمالك عام 1971، قبل أن يُعاد افتتاحه عام 1979. وبعد تحويله إلى متحف، أصبح من أهم صروح الفن التشكيلى فى العالم بما يضمه من مقتنيات ثمينة، حيث يحتوى على نحو 304 لوحات لفنانين عالميين (143 مصوراً) من بينهم 30 لوحة لتسعة مصورين، إضافة إلى نحو 50 تمثالاً برونزياً ورخامياً وجبسياً من إبداعات 14 مَثّالاً.
وتضم مقتنيات المتحف أعمالاً لعدد من كبار التشكيليين العالميين، منهم: فان جوخ، بول جوجان، رينوار، كلود مونيه، لوتريك، إدوار مانيه، ألفريد سيسلى، رودان، ديجا، بالإضافة إلى فنانين من المدرسة الرومانتيكية مثل فرومتان، ديلاكروا، بارى أنطون لويس، ومن المدرسة الكلاسيكية مثل روبنز وفانترهالتر، وكذلك فنانو المناظر الخلوية. كما يضم مجموعة من الفازات والأوانى الخزفية والبورسلين من فرنسا وتركيا وإيران والصين، إلى جانب بعض التحف الصينية الدقيقة المصنوعة من الأحجار نصف الكريمة.