«شهادات من قلب الحرب».. مواطنون يروون معاناتهم مع الحصار والجوع في السودان
«شهادات من قلب الحرب».. مواطنون يروون معاناتهم مع الحصار والجوع في السودان
لم يعد السودانيون فى الفاشر ودارفور وكردفان شهوداً على الحرب فقط، بل صاروا ضحاياها المباشرين، هُدمت منازلهم، وأحرقت مزارعهم، والتهم الجوع أحلامهم، لا يحتاج الناس إلى كثير من الكلمات ليصفوا معاناتهم، يكفى أن تنظر فى عيون الأطفال لترى كيف خطّ الجوع ملامحه على وجوههم الصغيرة، فالأمهات يحملن قصصاً مروعة ما بين فقدان منازلهن، وخوف لا ينتهى من قذيفة قد تسقط فى أى لحظة، ولقمة يبحثن عنها بين الرماد.
هناك الناس يحلمون فقط بأن ينجو طفل من الجوع، وأن يبيتوا ليلة بلا حرب، هناك شهادات حيّة من قلب الحرب، يرويها السودانيون بأصوات مرتجفة، لا بلغة السياسة ولا الأرقام، بل بلغة الوجع الإنسانى، وينتظرون أن يسمع العالم صرخاتهم بحسب حمادة الطاهر، أحد أبناء الفاشر.
«حمادة»: الوضع كارثى وننتظر الموت بالقذائف أو جوعاً.. ولا صوت يعلو فوق الرصاص
«حمادة» وصف الوضع لـ«الوطن» بالكارثى، إذ يعيش الشعب فى خوف وحرب وجوع ومرض، فلا ماء ولا غذاء ولا دواء: «الوضع فى دارفور والفاشر تحديداً أصبح كارثياً، فالناس ينتظرون الموت إما بقذائف الدعم السريع أو جوعاً، لم يعد هناك أمان، فقط حروب مستمرة فلا صوت يعلو فوق الرصاص ولا إغاثات تستطيع الوصول إلى الشوارع التى تحولت إلى ساحات حرب، السودانيون يجلسون فى الشوارع بعدما تهدّمت البيوت».
لم يعد الشاب الثلاثينى الذى يعول أسرة من 3 أطفال يتحمّل الجوع والمرض والخوف، لكنه حتى الآن لم يستطع مغادرة المدينة المحاصرة: «إحنا عايشين على علف الحيوانات وبقايا الطعام إن وُجدت، لا أسواق ولا محلات ولا إغاثات، محاصرون من جميع الاتجاهات، مع تزايد نسبة الأمراض فى البلد، لم أستطع الخروج بسبب الحصار، فضلاً عن معاناة والدتى من أمراض كثيرة مزمنة كالسكر والضغط والقلب، لكنى لم أجد الدواء لها، فالمدينة فُرِّغت من كل ما تحويه».
لا يتمنى «حمادة» سوى النجاة بعائلته الصغيرة والخروج من المدينة للاتجاه إلى المخيمات فى شمال دارفور، لكن الأمل لديه يتلاشى يوماً بعد آخر، فالشوارع لم تعد خالية من المسلحين والنزاع بين قوات الدعم السريع والجيش الوطنى، إذ يستيقظ الأطفال على صوت الرصاصات، ويفزع الكبار من القذائف والطائرات المسيِّرة: «نفسى أخرج بأمان حتى تهدأ الأجواء ونستعيد بلادنا، لكن مش عارفين نمشى بسبب شدة الحصار».
لم يكن «حمادة» وحده الذى يعانى من مشاكل كثيرة ومن أوضاع إنسانية صعبة، بل فقد إدريس إبراهيم 3 من أفراد أسرته إذ مات طفلاه جوعاً، بينما ارتقى والده برصاص قوات الدعم السريع، ويعيش الناس واقعاً إنسانياً مريراً: «نعيش مأساة حقيقية لا تقل عن أوضاع غزة، لا نجد الماء ولا الغذاء ولا الدواء، فأطفالنا ماتوا جوعاً وأهالينا تلقوا رصاصات فارتقت أرواحهم غدراً، نحاول العيش على علف الحيوانات وبقايا الطعام لسد رمقنا، لكننا حتى لم نستطع».
أسعار علف الحيوانات ارتفعت بشكل كبير خلال الأيام الماضية بسبب إغلاق طرق التجارة وخطوط الإمداد إلى الفاشر، كما ارتفعت أسعار السلع الأساسية مثل الدقيق والذرة، وتوقفت المطابخ الخيرية التى أُنشئت لإطعام الجائعين فى سوق الماشية بالمنطقة الجنوبية بحسب إدريس: «لم نعد قادرين على المقاومة، فالحرب اشتدت قسوتها، والمعارك العسكرية زادت حدتها وخلّفت واقعاً إنسانياً مريراً بسبب الحصار المتواصل من الدعم السريع، ولا توجد ممرات آمنة لخروجنا فأصبحنا محاصرين بين الحرب والجوع».
«إدريس»: فقدت 3 من أسرتى ونعيش على علف الحيوانات بسبب الحصار المفروض من جميع الاتجاهات
يتمنى «إدريس» أن يتمكن من الخروج حتى يجد مواد طبية يعالج بها ما تبقى من أسرته، وأن يجد ما يسد رمق أطفاله المتبقين: «نفسنا نخرج لكن العمليات العسكرية المفتوحة لم تتوقف، الشوارع أُغلقت والأسواق والمنازل هُدمت، ولم يعد لدينا خيار آخر سوى البقاء تحت وطأة الحرب والتجويع، لكننا ندعو العالم أن يعاملنا كما يعامل أبناء غزة، فالمنظمات الإغاثية لم تستطع الدخول، والإمدادات الغذائية توقفت، والأطفال يموتون، والكبار يسقطون أمام أعيننا ولم نجد الأكفان لدفنهم».
الوضع فى «كردفان، بانبوسة، الدلنج، وكادقلى» لم يختلف كثيراً عما يعانيه السودانيون فى الفاشر، فالأوضاع هناك لم تعد تُحتمل، فارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية يجعل العديد من العائلات غير قادرة على تحمل تكلفة حتى أبسط الغذاء، بحسب نهاد معمر معلمة بإحدى المدارس: «المدنيون محاصرون وهناك قيود كثيرة تعوق الحصول على المساعدات، فضلاً عن عدم الحصول على الدواء، نموت جوعاً وخوفاً ويسقط أهالينا وأطفالنا أمام أعيننا».
ارتفاع أسعار السلع جعل العائلات غير قادرة على تحمل تكلفة أبسط أنواع الغذاء
قبل أيام قليلة فقدت «نهاد» والدتها المسنة، إذ كانت تعانى من مرض القلب وأصيبت بأزمة قلبية فماتت أمام عينيها ولم تستطع إنقاذها: «لا مستشفيات ولا مراكز طبية ولا أى شىء، فقدت والدتى ولم أجد كفناً لتكفينها، اضطررت للفها بنفس الثوب الذى كانت ترتديه، لم نعد قادرين على تلبية أبسط احتياجاتنا لا دواء ولا غذاء ولا لبن للأطفال، صرنا ننتظر دورنا فى الموت الحتمى، لا مساعدات ولا إنزالات جوية تقينا من الموت جوعاً أو من شدة المرض أو الرصاصات الغادرة، صرنا نتمنى أن يُخرجنا الله من هذه الأرض دون مزيد من فقد الأحبة».
تقف أمام منزلها فى كادفلى، تجمع أطفالها الخمسة حولها، وفى يديها كيسان من الملح، هما كل ما استطاعت جميلة البسام الحصول عليه للحد من الإسهال الذى يتعرَّض له الأطفال: «لم أعد أتحمّل جوع أطفالى، نعالج الإسهال والالتهابات بالملح لعدم توفر الأدوية والغذاء، ولم نستطع الخروج حيث لا وجود لممرات آمنة، فنتمنى أن نخرج قبل موت أطفالنا جياعاً».
«مشاعل» يطلق مبادرة «تكية الفاشر» لتخفيف معاناة المحاصرين بتوفير بعض الوجبات الساخنة
يحاول الشاب مشاعل ود وأقرانه توفير بعض الوجبات الأساسية الساخنة لأهالى الفاشر، محاولين كسر الحصار الذى فُرض عليهم، لكنه لم يستطع تلبية احتياجات سكان المدينة من خلال ما يُسمى «تكية الفاشر»: «نحاول تخفيف العبء عن أهالينا من خلال التكية فنعد الطعام الساخن الأساسى من خلال تبرعات المقيمين فى الخارج، حيث يتولى الفنان بخيت بليه جمع التبرعات من السودانيين المقيمين فى الخارج، لكن لم نستطع تلبية جميع الاحتياجات».
يتمنى «مشاعل» أن يسهم الجميع فى دعم أهالى المناطق الأكثر تضرراً من الحرب، سواء فى دارفور أو كردفان، إذ يعانى ملايين الأشخاص من مجاعة قاتلة فتكت بالمئات منهم: «نتمنى دعم المطابخ والتكية للحد من موت الأطفال جوعاً».
«ونش» يُحفظ الأطفال القرآن: أحاول توفير ما استطعت لهم من غذاء ولا نملك سوى الدعاء
لم يكن «مشاعل» وحده الذى يحاول نقل صوت المستضعفين داخل الفاشر، بل تولى الشيخ محمود ونش تحفيظ الأطفال القرآن رغم وطأة الحرب وصوت القذائف والصواريخ، فأمام منزله البسيط المتهدم يتجمّع عشرات الأطفال، يقضون وقتاً طويلاً وهم يقرأون القرآن، متمنياً أن يكون سبباً فى حفظهم من غدر الرصاصات الطائشة: «أُعلِّم الأطفال القرآن والدعاء لعلهما يكونان سبباً فى حفظهما من الرصاصات الغادرة، فلم يعد أمامنا حل سوى مناجاة الله سبحانه وتعالى بأن يخفف عنا ما نحن فيه، كل يوم أجمع الأطفال وأقوم بتلاوة القرآن أمامهم، لكنى أتألم لجوعهم فأحاول توفير ما استطعت لهم من غذاء بسيط».
وبحسب تقارير كثيرة للأمم المتحدة على موقعها الرسمى، فإن هذه المناطق تعانى من مجاعة قاتلة، فضلاً عن انتشار الأمراض وأخطرها الكوليرا، إذ ما يزال ملايين المواطنين محاصرين داخل مناطق الحرب الأشد ضراوة ولم يستطع الكثير منهم مغادرتها بسبب عدم وجود طرق ولا ممرات آمنة وصولاً لمخيمات النازحين، رغم تمكن البعض من الوصول بعد رحلة شاقة.