على الفاتح يكتب: غزة.. من الإنذارات الدبلوماسية إلى الردع العسكرى

كاتب صحفي

فى مسارات متوازية تطلق القاهرة إنذارات دبلوماسية وسياسية متلاحقة إلى جانب رسائل الردع العسكرى فى مواجهة إصرار الكيان الصهيونى على تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، بينما يمضى زعيم البيت الأبيض فى دعمه لمخططات مجرم الحرب.

جهود القاهرة الدبلوماسية ربما تكون فى أيامها الأخيرة إذا لم تنتبه الإدارة الأمريكية لخطورة الانجرار وراء أطماع نتنياهو والأحلام الزائفة بشأن ريفييرا الشرق الأوسط، والتى تعتبر غزة مشروعاً عقارياً وسياحياً.

فى الآونة الأخيرة تصاعدت رسائل الردع العسكرى، خاصة بعد إقرار خطة احتلال غزة، وإعلان مجرم الحرب رفض مقترح الوسيطين المصرى والقطرى، الذى وافقت عليه فصائل المقاومة الفلسطينية، وفى مقدمتها «حماس»، وهو مقترح يستند إلى تصور أمريكى بالأساس وضعه مبعوث ترامب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف.

وفقاً لكل المؤشرات انتهت القاهرة من وضع كل سيناريوهات المواجهة العسكرية واستراتيجيات التعامل معها، بما فى ذلك خطط العمليات الميدانية، وهذا أمر طبيعى بالنسبة للخطر المحدق بالأمن القومى لمصر، ومن ثم كل إقليم الشرق الأوسط، والناجم عن تهجير أكثر من مليون فلسطينى من سكان مدينة غزة نحو مناطق الجنوب فى خان يونس ومحورى المواصى والنصيرات، والتى تكتظ بما يقرب من مليون فلسطينى آخرين، ما يعنى تكديس نحو 2 مليون على الحدود المصرية.

فى التحليل النهائى لا يريد زعيم الإرهاب الصهيونى بينيامين نتنياهو أى صفقة لا جزئية ولا شاملة، وما يقوله عن إمكانية استئناف المفاوضات، وفقاً لشروطه، مجرد كذب وشراء للوقت.

للتوضيح شروط نتنياهو للتفاوض باستسلام كافة فصائل المقاومة ونزع سلاحها جميعا والاحتفاظ بالسيطرة الأمنية على قطاع غزة مع وجود قوة دولية عربية لحفظ الأمن، وهى شروط ترفضها مصر قبل فصائل المقاومة، حيث تطرح تجميد سلاح المقاومة إلى حين البدء فى مسار حل الدولتين، ودخول قوة فلسطينية أمنية لحفظ أمن القطاع تقوم مصر بالفعل بتدريبها، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة تكنوقراط مستقلة بشكل مؤقت إلى أن يتم تسليمه بالكامل إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعى الوحيد للشعب الفلسطينى، وهذا ما أكدته القاهرة عبر المؤتمر الصحفى الذى جمع وزير الخارجية بدر عبدالعاطى مع رئيس الوزراء الفلسطينى الأسبوع الماضى على معبر رفح من الجانب المصرى.

هذه المبادئ الأساسية التى تشكل جوهر الموقف المصرى لا تناسب أحلام، وإن شئت القول أوهام، زعيم النازية الصهيونية نتنياهو، حتى قبل «طوفان الأقصى» فى السابع من أكتوبر 2023، كان يؤكد أن السلطة الفلسطينية لا تختلف، من وجهة نظره، عن حماس وباقى فصائل المقاومة، ويصنفها إرهابية، ويرى أنها مثل حماس تريد إزالة ما يسميها دولة إسرائيل.

لا أحد فى الكيان الصهيونى يؤمن بحل الدولتين، لا فى اليمين الدينى المتطرف، ولا فى أقصى أحزاب المعارضة اليسارية، تماما كما أن لا أحد منهم يعارض خطة احتلال غزة، وتفتيت الضفة الغربية، وإنهاء أى وجود عملى للسلطة الفلسطينية فى رام الله.

فطبقا لنتائج استطلاعات الرأى المنشورة فى وسائل إعلام عبرية ودولية يرفض غالبية المستوطنين من الشعب اليهودى حل الدولتين، وكل ما نراه من خلاف تعبر عنه بعض التظاهرات، التى تنظمها عائلات الأسرى وأحزاب المعارضة يتعلق بمصير الـ50 أسيرا الموجودين لدى «حماس» فى غزة.

فى مقولة أخرى حتى إذا أعلنت المقاومة الفلسطينية الاستسلام وإلقاء السلاح، وقامت بتسليم الـ20 أسيرا الأحياء، والثلاثين جثمانا، فى إطار هدنة مؤقتة لن تمضى أيام، وربما ساعات، حتى يستأنف زعيم الإرهاب الصهيونى حرب الإبادة والتطهير العرقى فى غزة والضفة الغربية، وحينها لن يجد أصواتاً تعارضه.

وزير خارجية هولندا فى حكومة تصريف الأعمال، كاسبار فيلدكامب، لم ينتظر الانتخابات البرلمانية المقررة فى أكتوبر المقبل، وقرر تقديم استقالته لأنه وجد نفسه عاجزاً عن اتخاذ المزيد من الإجراءات ضد مرتكبى جرائم الإبادة والقتل والتجويع فى حكومة اليمين الصهيونى، موضحاً أنه ناقش بجدية عدة إجراءات عقابية داخل الحكومة، غير أن غالبية أعضائها رفضوا، رغم إعلان الحكومة الهولندية بأن الوزيرين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سيموتريتش ممنوعان من دخول الأراضى الهولندية.

فى هذه اللحظة الحاسمة أدعى لحركتى حماس وفتح الشعور بهذه المسئولية، التى شعر بها وزير الخارجية الهولندى.

حديث المصالحة الفلسطينية الفلسطينية، الذى بلغ مرارة العلقم، لن نمل من تكراره، فلا بد أن تنضوى حماس ومن معها فوراً تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، ولا بد أن تبدأ السلطة فى رام الله فى حوار وطنى شامل يعيد بناء استراتيجية المقاومة بالتنسيق مع مصر والأردن، وفى سياق التوازنات الدولية.

استراتيجية دقيقة تقود كل أبناء الشعب الفلسطينى على أراضى السلطة فى الضفة وغزة فى عملية مقاومة وحركة تحرير وطنى ممتدة تشمل أشكالها وأدواتها السياسية والمسلحة، فالاحتلال لا يعترف بأحد، وبدون هذه الوحدة لن يكون هناك وجود لا لحماس ولا لفتح ولا لكل منظمة التحرير الفلسطينية.