وزير الثقافة الأسبق: الذكاء الاصطناعي في جوهره أداة مساعدة ويسهل العمل البشري
وزير الثقافة الأسبق: الذكاء الاصطناعي في جوهره أداة مساعدة ويسهل العمل البشري
أكد الدكتور عبدالواحد النبوى، وزير الثقافة الأسبق، أن حماية الملكية الفكرية تستلزم وضع ضوابط تحدد بوضوح ما هو متاح للجمهور ضمن الفضاء العام، وما هو حق حصرى للمؤلف أو المبدع، لافتاً إلى أن تحقيق التوازن بين حماية حقوق المبدعين من جهة، وإتاحة المعرفة والابتكار للجمهور من جهة أخرى يحتاج إلى ثلاثة مسارات مترابطة. وقال «النبوى»، فى حوار لـ«الوطن»، إن الذكاء الاصطناعى فى جوهره أداة مساعدة، من شأنه أن يسهل العمل البشرى بشكل كبير، مشدداً على أن الخطر يكمن فى أن يتحول إلى وسيلة تدفع البعض إلى الكسل والاكتفاء بما تقدمه الآلة، وأن الإنسان هو المبدع الأول، لأن الذكاء الاصطناعى نفسه يعتمد على عمل البشر وأفكارهم.. فإلى نص الحوار:
■ هل نحتاج إلى تعديل تشريعى خاص بالذكاء الاصطناعى يحمى الملكية الفكرية؟
- القوانين الحالية لحقوق الملكية الفكرية تتسم بالمرونة وتضم نصوصاً مفتوحة تسمح بالتعامل مع مستجدات التكنولوجيا، وبالتالى لسنا بالضرورة فى حاجة فورية إلى تعديل تشريعى جديد، لكن الأمر يتطلب مراجعة دقيقة للنصوص القائمة، وهنا يجب طرح سؤال حول هل تكفى تلك النصوص بصيغتها الحالية لحماية المبدع وحقوقه أمام الأعمال المنتجة آلياً، إن لم يكن هناك نص قانونى واضح، فلا يجوز استغلال أى إنتاج آلى إلا بالرجوع للدولة، فالذكاء الاصطناعى فى النهاية وسيلة إلكترونية، وحماية الملكية الفكرية تستلزم وضع ضوابط تحدد بوضوح ما هو متاح للجمهور ضمن الفضاء العام، وما هو حق حصرى للمؤلف أو المبدع.
■ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين حماية حقوق المبدعين من جهة وإتاحة المعرفة والابتكار للجمهور من جهة أخرى؟
- التوازن يحتاج إلى ثلاثة مسارات مترابطة، أولاً إعادة النظر فى القوانين واللوائح القائمة، بحيث تكون أكثر وضوحاً وعدالة وانضباطاً، فلا يشعر المبدع بالظلم، ولا يجد الباحث أو الطالب نفسه مقيداً بما يعرقل سعيه إلى المعرفة، ثانياً نشر الوعى المجتمعى بحقوق الملكية الفكرية، وهذا تحدٍّ كبير يحتاج إلى جهد طويل الأمد قد يمتد لعشر سنوات كاملة، فلا يكفى أن نسن القوانين، بل يجب أن نغرس احترام هذه الحقوق فى المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية، حتى يصبح الالتزام بها جزءاً من الثقافة العامة.
ثالثاً: التطبيق العادل والصارم للقوانين، وبالتالى لا بد أن يعرف كل شخص ينتج عملاً إبداعياً أو بحثاً علمياً حدوده القانونية، وأن تكون المسألة واضحة، متى تكون المعرفة متاحة للجميع، ومتى تحتاج إلى إذن أو ترخيص، الفارق هنا يرتبط بما إذا كان الهدف تجارياً مربحاً أو مجرد استخدام معرفى أو ثقافى لا يدر عوائد مادية.
■ هل يشكل الذكاء الاصطناعى تهديداً للمبدع الإنسانى أم فرصة لتوسيع دائرة الإبداع؟
- الذكاء الاصطناعى فى جوهره أداة مساعدة، وهو يسهّل العمل البشرى بشكل كبير، لكن الخطر يكمن فى أن يتحول إلى وسيلة تدفع البعض إلى الكسل والاكتفاء بما تقدمه الآلة، ومع ذلك، يظل الإنسان هو المبدع الأول، لأن الذكاء الاصطناعى نفسه يعتمد على عمل البشر وأفكارهم، وبالتالى إذا توقف الإنسان عن التطوير، سيتوقف الذكاء الاصطناعى عن التقدم، لذا أراه فرصة لتوسيع آفاق الإبداع، وليس تهديداً له، فبدون الإنسان لا وجود لإبداع حقيقى، أما الذكاء الاصطناعى فهو مجرد وسيلة لتسريع وتطوير هذا الإبداع.
توفير بيئة تسمح للمبدعين المصريين بمواكبة التطور وصقل المواهب الشابة.. ومنحها فرصاً للتعبير والابتكار أصبح ضرورة
■ كيف يمكن للمؤسسات الثقافية أن تدعم المبدعين فى عصر تتحول فيه التكنولوجيا إلى منافس؟
- بالاستثمار فى الإنسان نفسه، حيث يجب تطوير الكوادر البشرية بشكل مستمر، ومتابعة أحدث ما وصل إليه الإبداع فى العالم، ثم توفير بيئة تسمح للمبدعين المصريين بمواكبة هذا التطور، كذلك من الضرورى صقل المواهب الشابة ومنحها فرصاً للتعبير والابتكار، إلى جانب تخصيص ميزانيات حقيقية لتنمية القدرات الفنية والثقافية، فالعامل البشرى كلما أتيحت له الفرصة وأُحسن تأهيله، يظل قادراً على إنتاج ما يفوق الآلة ويمنح العمل الإبداعى روحاً لا يمكن تقليدها.
■ هل ترى أن الذكاء الاصطناعى يمكن أن يكون وسيلة لحماية التراث الثقافى المصرى ورقمنته، بدلاً من سرقته أو تشويهه؟
- بالتأكيد، وهنا تجب الإشارة إلى أن التراث المصرى فى أمس الحاجة إلى هذه التقنيات، حيث يمكن للذكاء الاصطناعى أن يساعد فى ترميم الآثار، وإدارة المواقع الأثرية، وتوثيق كل أثر سواء كان مبنى أو مخطوطاً أو سبيلاً أو لوحة فنية، كما يمكن إنشاء خرائط رقمية متكاملة للآثار وربطها بالسياحة الثقافية، بما يضع التراث المصرى فى ذاكرة العالم كجزء من القوة الناعمة للدولة، وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعى وسيلة للحفاظ على التراث لا لسرقته، وأداة لتعريف العالم بمصر عبر التكنولوجيا الحديثة، وفى الوقت نفسه يحقق عوائد اقتصادية من خلال تنشيط السياحة الثقافية.
مستقبل «الإنسان» و«الآلة»
العلاقة ستظل تكاملية، فالإنسان هو صاحب الفكرة، والآلة مجرد أداة تساعده على تطويرها وتسريع تنفيذها، وخلال السنوات المقبلة سيزداد اعتماد المبدعين على تقنيات الذكاء الاصطناعى، لكنها لن تحل محلهم، بل ستوسع دائرة إبداعهم وتمنحهم أدوات جديدة، فالمبدع الإنسانى هو من يبتكر، أما الذكاء الاصطناعى فيظل انعكاساً لما يقدمه له العقل البشرى، فالمستقبل إذن ليس منافسة بين الإنسان والآلة، بل شراكة قد تعيد تعريف حدود الإبداع نفسه، فالذكاء الاصطناعى فى نظرى ليس خصماً للمبدع ولا بديلاً عنه، بل أداة يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة للإبداع والحفاظ على الهوية الثقافية.