أين ذهبت «حلاوة زمان»؟

«حلاوة زمان، عروسة حصان. وآن الأوان تدوق يا وله»، كلمات خالدة لعمنا الراحل «صلاح جاهين»، تغنى بها الفنان الكبير محمد قنديل، منذ ستينيات القرن الماضي، لتظل راسخة في عقول وقلوب المصريين كصورة أصيلة لبهجة المولد النبوي الشريف. قديما كان الاحتفال بـ«مولد النبي» عنوانه البساطة والفرحة الصافية. ولكن أين ذهبت «حلاوة زمان»؟.

حين يقترب الموعد، كان الأب يدخل من الباب حاملا «لفة» مبهرجة الألوان كانت كفيلة بأن تجعل قلوب أبنائه ترقص طربًا؛ فالعروسة المصنوعة من السكر من نصيب البنات والحصان الذي يعلوه الفارس للأولاد، وكانا كفيلين برسم بهجة لا توصف على وجوه الأطفال، ناهيك عن العلبة الكرتون بسيطة الشكل والتصميم، التي تحتضن السمسمية والحمصية والملبن وتفوح منها رائحة تملأ كل مكان. كان الأمر يخلو من الحسابات المعقدة، بل كانت الحلاوة «بركة وبهجة»، يشتريها الأب ليدخل السرور في قلوب أهل بيته، فتتلألأ العيون بفرحة حقيقة لا ترتبط بالسعر أو بالماركات، بل بلمة العائلة وبساطة العطاء.

اليوم أصبحنا أمام مشهد مغاير تمامًا، محال الحلويات الكبرى دخلت في سباق محموم لتقديم حلوى المولد بأغلفة فاخرة وصناديق مذهبة، وكأنها هدايا فارهة لا ترتبط بذكرى دينية مباركة بقدر ما ترتبط بالوجاهة الاجتماعية، أما أسعارها فحدث ولا حرج، باتت مبالغ فيها، ليودع عدد ليس بالقليل من البيوت المصرية «علبة الحلاوة»، التي فقدت رمزها كفرحة متاحة للجميع.

كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي نحتفل بذكرى مولده، عنوانا للبساطة والتواضع والرحمة، فكيف تحول الاحتفال بذكراه إلى مظاهر بذخ واستعراض اجتماعي؟ وكيف صار شراء علبة حلوى المولد أشبه بسباق طبقي؟ ومتى تحول «سرادق» بيع الحلوى ذي الألوان المبهجة والأضواء المبهرة في كل شوارع المحروسة، إلى صراع بين المحال لتقديم حلوى المولد البسيطة في شكل منتج فاخر بـ«البستاشيو واللوتس»؟.

ارتبطت حلاوة المولد بوجدان المصريين منذ قرون، وكانت عروسة السكر رمزا للفرحة والاحتفاء، ومع مرور الزمن، صارت جزءا لا يتجزأ من طقوس المولد؛ كانت هدايا بسيطة، لكنها صنعت ذاكرة أجيال كاملة.

ويرجع أغلب المؤرخين ظهور «حلاوة المولد» للعصر الفاطمي، حيث كان يحب الخليفة مشاركة عموم الناس الاحتفال بهذه الذكرى المباركة، فكان يوزع الحلوى يوم المولد، ومن هنا بدأ انتشار عادة صناعة الحلوى الشعبية بمختلف أنواعها «الحمصية، السمسمية، الملبن».

أشار تقي الدين المقريزي في أحد كتبه التراثية «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» لولائم وحلوى المولد، وتقول بعض الروايات إن «العروسة» ظهرت تكريما للنساء والأطفال، وكانت تصنع من السكر المصبوب في قوالب خشبية، وربطت رواية شعبية أخرى «العروسة» بذكرى زواج أحد الخلفاء الفاطميين في يوم المولد، فظهرت العروسة كرمز للفرحة.

لم يكن أجمل ما في «حلاوة زمان» طعمها وحده، بل كونها أيقونة للبساطة والود وتقاسم الفرح. لتتحول الآن إلى ذكرى طفولة بعيدة ودفء أسرة منسي وفرحة لا تشترى بالمال أو بالأطعم المتنوعة الدخيلة على الذوق والثقافة المصرية الأصيلة.

ألم يحن الوقت لنستعيد من المولد جوهره الحقيقي «المحبة، التراحم» والاحتفاء بالنبي الذي علمنا أن البساطة زينة، وأن الفرحة لا تقاس بحجم العلبة ولا بثمنها، بل بصفاء النية وصدق القلوب؟.