وفى يوم الاثنين 4 من أغسطس 2025م، أصدرت النيابة العامة فى مدينة الشيخ زايد أمراً جنائياً ضد الفنان أحمد السقا بتغريمه 200 جنيه، لاتهام طليقته مها الصغير له بالاعتداء عليها داخل كومباوند شهير بمنطقة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة المصرية. وقد صدر هذا الأمر الجنائى عن النيابة العامة بعد الاطلاع على أوراق القضية وتقديرها أن الجريمة من الجنح البسيطة التى لا تستدعى الإحالة إلى المحكمة، وارتأت بالتالى إصدار أمر جنائى بموجب المواد من 323 إلى 330 من قانون الإجراءات الجنائية، يقضى بالاكتفاء بتوقيع غرامة مالية قدرها 200 جنيه فقط، دون إحالة المتهم إلى جلسة محاكمة أمام القاضى. وكانت الإعلامية مها الصغير وسائقها قد حررا بلاغاً رسمياً بقسم شرطة زايد، اتهما فيه طليقها الفنان أحمد السقا بالتعدى عليهما بالسب والضرب، فى واقعة وقعت داخل كومباوند بمدينة السادس من أكتوبر، حسبما ورد فى المحضر. وحسب البلاغ، بدأت الواقعة أثناء دخول مها الصغير وسائقها إلى الكومباوند، حيث فوجئا بسيارة الفنان أحمد السقا تعترض طريقهما بشكل مفاجئ، فى محاولة لمنعهما من الدخول، ما تسبب فى حالة من الارتباك. وجدير بالذكر فى هذا الصدد أن المادة 323 من قانون الإجراءات الجنائية المصرى تنص على أنه «إذا رأت النيابة العامة أن الجريمة لا تستوجب الحكم بعقوبة أشد من الغرامة، فلها أن تطلب من المحكمة إصدار أمر جنائى بالغرامة فقط»، وبعيداً عن وقائع القضيتين وأسباب الحكم بالإدانة من عدمها، فقد يستغرب القارئ ضآلة عقوبة الغرامة المحكوم بها على الفنان عمرو دياب، وضآلة عقوبة الغرامة المأمور بها ضد الفنان أحمد السقا. والواقع أن مائتى جنيه هو الحد الأقصى لعقوبة الغرامة التى يجوز الحكم بها قانوناً على المتهم، إذا رأت المحكمة أن الواقعة لا تستأهل الحكم بعقوبة الحبس. إذ تنص المادة 242 من قانون العقوبات المصرى على أنه «إذا لم يبلغ الضرب أو الجرح درجة الجسامة المنصوص عليها لا تقل عن عشرة جنيهات ولا تتجاوز مائتى جنيه مصرى. فإن كان صادراً عن سبق إصرار أو ترصد، تكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنتين أو غرامة لا تقل عن عشرة جنيهات ولا تجاوز ثلاثمائة جنيه مصرى. وإذا حصل الضرب أو الجرح باستعمال أى أسلحة أو عصى أو آلات أو أدوات أخرى تكون العقوبة الحبس، وتكون العقوبة السجن الذى لا تزيد مدته على خمس سنوات إذا ارتكبت أى منها تنفيذاً لغرض إرهابى».
وإذا كانت القضيتان قد أثارتا الكثير من اهتمام الرأى العام، ولا سيما فيما يتعلق بضآلة مقدار الغرامة المحكوم أو المأمور بها، فإن رجال الإعلام والقانون قد تعاملوا مع الموضوع بمنطق «ودن من طين وودن من عجين»، فلم يشاركوا المجتمع همومه ومشاكله، باحثين عن مواطن الخلل ومقترحين بالتالى الحلول الناجعة لها، لا سيما أن هذه الوقائع قد تزامنت مع مناقشة مشروع قانون جديد للإجراءات الجنائية فى مجلس النواب، والتوقع بالتالى أن تنال يد التعديل قانون العقوبات، حيث مضى على إقرار القانون الحالى رقم 58 لسنة 1937م ما يقترب من تسعة عقود.
وتجدر الإشارة فى هذا الصدد إلى أن المشرع المصرى يتبنى نهجين فى تحديد مقدار الغرامة: الأول، أن يقررها بين حد أدنى وحد أقصى، تاركاً للقاضى سلطة تقديرها بينهما. ويطلق على الغرامة فى هذه الحالة اصطلاح «الغرامة البسيطة».
أما النهج الثانى فى تحديد مبلغ الغرامة، فيقوم على الربط بينه وبين الضرر الفعلى أو الاحتمالى للجريمة، أو بينه وبين الفائدة التى حققها الجانى أو أراد تحقيقها من وراء ارتكاب الجريمة. ويطلق على الغرامة المحددة على هذا النحو مصطلح «الغرامة النسبية». وسميت هذه الغرامة نسبية لأنها تتناسب مع ضرر الجريمة أو فائدتها على النحو آنف الذكر. فهذا النوع من الغرامة لا يعرف التحديد الجامد لمبلغ الغرامة مقدراً بعملة الدولة، وإنما يختلف مقدارها وفقاً لمقدار ضرر الجريمة أو الفائدة التى حققها الجانى من الجريمة. ومن ثم، فإن التضخم وانخفاض قيمة العملة لا يثير أدنى مشكلة بالنسبة لهذا النوع من الغرامة. وإنما يثور التساؤل بالنسبة للغرامة البسيطة فى حالة انخفاض قيمة العملة الوطنية التى تم تحديد مقدار الغرامة على أساسها. إذ قد يجد المشرع نفسه مضطراً إلى التدخل -من حين لآخر- لتعديل مبلغ الغرامة، بحيث يغدو متناسباً مع الزيادة فى نسبة التضخم. وبالنظر لأن هذا التدخل لا شأن له بخطورة الجانى أو زيادة جسامة الجريمة، لذا يغدو من الملائم البحث عن السبل الكفيلة بحل هذه المشكلة من جذورها.
وللقضاء على هذه المشكلة، وتحقيقاً للعدالة فيما يتعلق بالغرامة، وبحيث يكون لها الأثر الرادع، فيشعر بأثرها الغنى كما يشعر به الفقير، تبنت بعض التشريعات نظام «الغرامة اليومية». ففى بعض الدول الإسكندنافية، كما هو الشأن فى فنلندا والسويد، ثمة نظام يقوم على أن تقدير الغرامة يحسب وفقاً للدخل اليومى لمرتكب الجريمة، مع مراعاة أعبائه العائلية، ويضرب هذا الدخل فى عدد معين يختلف باختلاف جسامة الجريمة. وقد تبنى المشرع الفرنسى هذا النهج مؤخراً. وميزة هذا الحل أنه يكفل أيضاً تفادى أحد الانتقادات الموجهة لعقوبة الغرامة. إذ يعيب البعض على الغرامة أنها عقوبة لا يتحقق فيها مبدأ المساواة بين المحكوم عليهم. فغرامة بمبلغ معين يتفاوت تأثيرها بتفاوت درجة ثراء المحكوم عليه؛ فإن كان ثرياً، فقد لا يحس به. وإن كان فقيراً، فهو ينوء به. وفيما يتعلق بالدول العربية، كان المشرع الإماراتى سباقاً فى تبنى هذا النظام، وذلك من خلال المرسوم بقانون اتحادى رقم (43) لسنة 2023 فى شأن القانون البحرى. والمأمول هو أن يتم تبنى نظام الغرامة اليومية، بحيث يرد النص عليه فى قانون العقوبات العام فى الدول العربية كافة.