«مجاعة» فى «غزة».. «إدارة ترامب» تتلاعب بأرواح الأبرياء فى فلسطين
«مجاعة» فى «غزة».. «إدارة ترامب» تتلاعب بأرواح الأبرياء فى فلسطين
فى لحظة فارقة من تاريخ المأساة الفلسطينية، ومع تصاعد صور الجوع والهزال في وجوه الأطفال والنساء في قطاع غزة، الذى يشهد «أكبر جريمة إبادة جماعية» في التاريخ الحديث، جاء تقرير للأمم المتحدة ليضع النقاط على الحروف «هناك مجاعة فعلية فى قطاع غزة»، التقرير الذى أعده خبراء الأمن الغذائي، وأكد أن الكارثة مرشحة للتوسع نحو وسط وجنوب غزة بحلول سبتمبر المقبل، لم يكن مجرد ورقة تقنية، بل وثيقة إدانة صريحة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي القمعية، التى فرضت حصاراً خانقاً، وقيوداً مشددة على المساعدات الإنسانية، ومع أن عواصم أوروبية كبرى سارعت للتعبير عن غضبها، ووصفت ما يجرى بأنه «كارثة من صنع الإنسان»، فإن الإدارة الأمريكية، برئاسة دونالد ترامب، فضلت الصمت، فى موقف اعتبره مراقبون تواطؤاً سياسياً يعمق المأساة الإنسانية، ولا يوقف نزيفها.
«إدارة ترامب» تتلاعب بأرواح الأبرياء فى فلسطين
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، فى تقرير لها، أنه رغم الضجة العالمية التى أثارها ذلك التقرير، ظل البيت الأبيض صامتاً، وكأن المأساة لا تعنيه، أما الموقف الأمريكى الرسمى الوحيد فقد جاء على لسان مايك هاكابى، السفير الأمريكى لدى إسرائيل، الذى لم يتردد فى ترديد ما جاء فى خطاب رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، الذى يحمّل فيه حركة «حماس» مسئولية «المجاعة» فى قطاع غزة، بل وذهب إلى أبعد من ذلك، حين كتب عبر منصة «إكس»: «أطنان من الطعام دخلت إلى غزة، لكن برابرة حماس سرقوه، والتهموا الكثير منه، حتى ازدادوا سمنة»، هذه اللغة الاستفزازية أثارت انتقادات واسعة، لأنها تعكس محاولة للتنصل من المسئولية، وتبرير جرائم التجويع، التى ترتكب على مرأى ومسمع العالم.
ونقلت الصحيفة الأمريكية عن محللين قولهم إن هذا «الموقف المتساهل»، من جانب إدارة «ترامب»، يشجع «نتنياهو» على المضى قدماً فى استراتيجيته العسكرية، من دون خشية من تبعات سياسية أو دبلوماسية، لدرجة أن الدبلوماسى الأمريكى المخضرم، آرون ديفيد ميلر، قال بوضوح إن رئيس الوزراء الإسرائيلى أصبح أكثر ارتياحاً، لكون ترامب لن يفرض أى تكلفة أو تبعات تشكل ضغطاً حقيقياً على الحكومة الإسرائيلية.
وأشارت «نيويورك تايمز» إلى أن «لجنة التصنيف المرحلى المتكامل للأمن الغذائى»، المدعومة من الأمم المتحدة، أعلنت بلهجة واضحة، أن غزة تعيش مأساة حقيقية، تصنف ضمن خانة المجاعة، وقد حذر الخبراء من أن الأزمة لن تتوقف عند حدود الشمال، بل قد تمتد إلى الوسط والجنوب فى غضون أسابيع قليلة، إذا استمر الاحتلال فى سياساته المانعة للمساعدات، لكن إسرائيل سارعت إلى نفى هذه الاتهامات، مؤكدة أنها لا تسعى إلى تجويع سكان غزة، وأن ما حدث لا يعدو كونه «نقصاً مؤقتاً» جرى تداركه، غير أن الوقائع على الأرض تكذّب هذه الادعاءات، فالقيود الصارمة على المعابر، وتعطيل قوافل الإغاثة، واستهداف مواقع توزيع الطعام، كل ذلك يعكس سياسة ممنهجة لا يمكن تفسيرها سوى بأنها استخدام للتجويع كسلاح حرب.
انتقاد سياسات التعنت الإسرائيلي
وأضافت الصحيفة فى تقريرها أنه بينما واصلت واشنطن الصمت، جاء الرد الأوروبي صارماً، حيث أصدر وزير الخارجية البريطانى، ديفيد لامى، بياناً شديد اللهجة، قال فيه: «رفض الحكومة الإسرائيلية السماح بدخول مساعدات كافية إلى غزة، هو السبب وراء هذه الكارثة المصطنعة، هذا عار أخلاقى»، هذا الموقف البريطانى لم يكن معزولاً عن غيره من مواقف مشابهة، إذ انضمت كل من فرنسا وأستراليا، وعدة دول أخرى، إلى حملة انتقاد سياسات التعنت الإسرائيلي، واستخدام «الجوع» كسلاح لإجبار الفلسطينيين على الرحيل، حيث أكدت هذه الدول أن «ما يحدث فى قطاع غزة يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولى الإنسانى».
موقف واشنطن بشأن تقرير «المجاعة فى غزة» ليس جديداً على إدارة «ترامب»، فمنذ تولى الرئيس الجمهوري منصبه مطلع العام الجارى، كان الفلسطينيون يأملون أن يترجم وعوده الانتخابية بإنهاء الحرب، إلى ضغط على تل أبيب لوقف عدوانها، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وسرعان ما وجّه «ترامب» اهتمامه نحو الحرب الروسية الأوكرانية، تاركاً غزة تواجه مصيرها المأساوى، وفى كل محطة من محطات التصعيد الإسرائيلى، كان الخيار الأمريكى إما «الصمت»، أو «الاصطفاف» إلى جانب «نتنياهو».
وأشار التقرير إلى أنه فى الوقت الذى تتصاعد فيه التحذيرات من تفاقم «المجاعة»، يستعد «نتنياهو» لشن عملية عسكرية واسعة على مدينة غزة، يصفها بأنها «حاسمة للقضاء على حماس»، هذه الخطة تثير انقساماً داخل إسرائيل نفسها، حيث عبّر ذوو المحتجزين لدى الفصائل الفلسطينية فى القطاع، عن خشيتهم من أن تؤدى أى عملية عسكرية إلى تعريض حياة ذويهم للخطر، وعلى الصعيد الدولى، أبدت عدة دول أوروبية قلقها من أن يكون الهجوم بمثابة «كارثة مزدوجة»، تطال المدنيين الفلسطينيين والمحتجزين الإسرائيليين على حد سواء، ولفت التقرير إلى أن الرئيس الأمريكى لم يُخفِ دعمه المطلق لتوسيع العملية العسكرية الإسرائيلية فى غزة، فكتب على وسائل التواصل: «لن نشهد عودة المحتجزين المتبقين إلا حين تتم مواجهة حماس وتدميرها، وكلما تم ذلك أسرع، زادت فرص النجاح».
واعتبرت «نيويورك تايمز» أن «هذه اللغة تعكس انحيازاً كاملاً للموقف الإسرائيلى، من دون أى اعتبار للثمن الإنسانى الباهظ»، واختتمت تقريرها بالقول إن ما تكشفه هذه التطورات المتسارعة، هو صورة قاتمة لعالم يدير ظهره لمأساة غزة، فى الوقت الذى يواجه فيه أكثر من 2.5 مليون إنسان خطر الجوع والموت، حيث تواصل الإدارة الأمريكية التزام الصمت، أو الانحياز لإسرائيل، بينما يواصل الاحتلال توسيع استيطانه، وفرض سياسة التجويع كسلاح حرب، وبينما يصرخ المجتمع الدولى بأن ما يحدث «عار أخلاقى»، يبدو أن المأساة ستتفاقم أكثر، ما لم يتحول الغضب إلى ضغط حقيقى، يجبر إسرائيل على فتح المعابر، والسماح بدخول المساعدات، وإنهاء الحصار الجائر.