بخفة دم لا تخلو من حكمة كتب أحدهم على وسائل التواصل الاجتماعى:
«الاتنين اللى حيلتنا، واحدة ربنا يشفيها والتانية ربنا يهديها». لا أعرف أول من كتب هذا التعليق الذكى، لكننى مدين له بالشكر على تلخيصه الوافى لحالة نجمتين حقيقتين فى عالم الطرب والغناء، فأما الأولى التى قصدها صاحب التعليق، فهى المطربة الكبيرة أنغام، وأما الثانية فهى المطربة الكبيرة شيرين. على المستوى الشخصى أحب الاثنتين، وأستمتع بصوتيهما، وإن بقى صوت أنغام الأقرب إلى قلبى منذ غنّت «فى الركن البعيد الهادى»، لكننى وقعت فى غرام صوتها وأدائها المميّز حين شدت برائعة شوقى ومحمد عبدالوهاب «مضناك جفاه مرقده»، فرغم أننى أحببت الأغنية بصوت محمد عبدالوهاب، إلا أننى حين سمعتها بصوت أنغام، أعدت اكتشافها، فزاد حبى للأغنية وإعجابى بصوت أنغام.
الحمد لله فقد تحسّنت الحالة الصحية لمطربتنا الكبيرة أنغام، وتعود قريباً للغناء لتُمتعنا بفنها الراقى.
وأغنية «مضناك جفاه مرقده» كتبها أمير الشعراء أحمد شوقى فى مطلع القرن الماضى، ولحّنها وغنّاها موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب فى الثلاثينات بعد أن اختار منها خمسة عشر بيتاً، من أصل ستة وعشرين بيتاً كتبها «شوقى».
وفى القصيدة التى يقول مطلعها:
مضناك جفاه مرقده
وبكاه ورحَم عودهُ
حيران القلب معذبه
مقروح الجفن مسهده
يعارض أمير الشعراء القصيدة الشهيرة «يا ليلُ: الصبُ متى غدهُ»، التى كتبها الشاعر أبوالحسن الحصرى القيروانى المولود فى مدينة القيروان التونسية سنة 420 هجرية، وهى واحدة من أجمل قصائد العربية، وقد وصفها الشاعر الكبير فاروق شوشة فى كتابه اللطيف «أحلى 20 قصيدة حب من الشعر العربى» بقوله: هى قصيدة من عيون الشعر العربى، ذاعت شهرتها فى أندية الأدب، ومجالس الغناء، وتناقلها الناس جيلاً بعد جيل، ولشهرتها، فقد عارضها كثيرون فى عصور متتابعة، كل منهم يحاول تجاوزها فناً وشاعرية، ومن أشهر من عارضوها أحمد شوقى فى قصيدة «مضناك جفاه مرقده»، التى ذاعت هى الأخرى، واشتُهرت فى أندية الأدب، ومجالس الغناء وتناقلها الناس، وأخذوا يوازنون بينها وبين قصيدة «الحصرى»، ولهم فى هذه الموازنات دروب وفنون، وأحاديث ذات شجون.
وأنا وكما أحببت أغنية «مضناك جفاه مرقده» بصوت محمد عبدالوهاب، ومن بعده أنغام، فقد أحببت أيضاً أغنية «يا ليل: الصب متى غده» بصوت جارة القمر فيروز، وكانت الأغنية/ القصيدة هى سبيلى إلى معرفة الشاعر الحصرى القيروانى، الذى أمضى فترة من شبابه فى القيروان بعد أن أجاد فن الشعر وعلم القراءات، ودرس علوم الدين والشريعة، ومن القيروان هاجر بعد الدمار الذى لحق بها سنة 449 فى أعقاب الخلاف بين الفاطميين والعز بن باديس، وكانت هجرته الأولى إلى «سبتة»، وبعدها توجه إلى «طنجة»، وبقى بها حتى رحيله سنة 488 هجرية.
كانت القيروان على عهد شاعرنا أبى الحسن الحصرى منارة للعلم والأدب، ومنها خرج كثيرون من أعلام القرن الخامس الهجرى، ومن بينهم: الأديب الكبير أبوإسحاق إبراهيم بن على بن تميم المعروف باسم «أبوإسحاق الحصرى القيروانى»، الذى وُلد وعاش ودُفن فى القيروان، ولم يُعرف عنه أنه غادرها طوال حياته، ونشأ على العمل بالوراقة والنسخ، وكان بديع الخط، بارعاً فى النسخ، ويقول بعض رواة السير إن أديبنا أبوإسحاق هو ابن خالة شاعرنا الحصرى القيروانى، غير أن التباين الزمنى فى سنة الوفاة لكل منهما يجعل هذا القول محل شك كبير.
ومن أشهر كتب الأديب أبى اسحاق، كتابه اللطيف «جمع الجواهر فى الملح والنوادر»، الذى يقول فى مقدمته: «فأجبتك إلى ملتمسك بكتاب كللت نظامه، وثقلت أعلامه بذهب يروق سبك إبريزه، ويرق حوك تطريزه، من نوادر المتقدّمين والمتأخرين، وجواهر العقلاء والمجانين، وغرائب السقاط والفضلاء، وعجائب الأجواد والبخلاء، وطرف الجهال والعلماء، وتحف المغفلين والفهماء، ونُتف الفلاسفة والحكماء».
وهو كتاب جدير بالقراءة، ففيه من العلم والفلسفة، والمتعة الكثير والكثير، ومن هذا الكتاب أختار لكم قصة طريفة نختتم بها هذا المقال، الذى بدأناه بتعليق ذكى لا يخلو من خفة الدم المصرية الأصيلة.
يقول أبوإسحاق الحصرى القيروانى:
يُحكى أن أهل بلدة من بلاد العرب شكوا إلى الخليفة «المأمون» والياً عليهم، فقال المأمون: كذبتم عليه. قد صح عندى عدله فيكم وإحسانه إليكم.
فقال شيخ منهم: يا أمير المؤمنين، فما هذه المحبة لنا دون سائر رعيتك؟ قد عدل فينا خمس سنين، فانقله إلى غيرنا حتى يشمل عدله الجميع، وتريح معنا الكل.
فضحك المأمون وصرفه عنهم.
طريفة هى الحكاية دون شك، لكنها لا تخلو من حكمة أيضاً، فالشيخ الذى ساءه وساء أهل بلدته سيرة حكم الوالى فيهم، وجد فى الفكاهة طريقاً لعرض وجهة نظره على الخليفة، والتمس فى المزاح سبيلاً لإقناعه بإبعاد واليه عن حكم بلدتهم، فكان له ما أراد، وربما لو اختار طريقاً آخر لفشل مسعاه.
كثيرة هى المرويات الطريفة التى دارت وقائعها بين الحكام والرعية، وتاريخنا قديمه وحديثه يذخر بالنوادر من هذا النوع، ومن بين أبطالها، من كتبت له نهايات سعيدة جزاء مزاحه وظرف حديثه، ومنهم من استحالت أفراحه إلى أتراح، لمجرد أنه داعب حاكماً أو مازح واحداً من أولى الأمر.