التصوف لدى نجيب محفوظ (6)
فى رواية «ملحمة الحرافيش»، يرصد نجيب محفوظ مجتمعاً صوفياً كاملاً يعيش عالة على الناس من خلال دراويش التكية. والتكايا أو الخانقاوات والزوايا جزء من التاريخ المصرى فى العصر الوسيط، فالأمراء والوجهاء كانوا يقربون الصوفية إليهم ويجزلون لهم العطاء كوسيلة لكسب الشرعية من الجماهير الغفيرة التى كانت تنظر إلى من يفعل ذلك على أنه حريص على الدين ويصف المؤرخون التكية التى أنشاها الناصر صلاح الدين الأيوبى والتى أطلق عليها «سعيد السعداء» بأنها كانت مؤسسة اجتماعية متكاملة، حيث كان بها الطبيب الذى يعالج المتصوفة والوقاد الذى يضىء لهم قناديلهم والبواب الذى يمنع من لا خلاق لهم من الدخول، والطباخ الذى يطهو لهم الطعام، والرشاش الذى ينقل الماء للأدوار العليا والخدم الذين ينظفون ويرتبون، فضلاً عن الواعظ وخادم الكتب والمؤذن والخطباء والأئمة.
وكان للتكية مخصص يومى من الطعام والشراب إلى جانب النقود وكان «الأيوبى» يهدف من كل هذا إلى استخدام الصوفية من المذهب السنى لمحاربة «أيديولوجية» الدولة الفاطمية الشيعية.
وفى رواية «يوم قتل الزعيم»، يقدم نجيب محفوظ نموذجاً آخر للمتصوفين من خلال شخصية محتشمى زايد، فهو الدرويش «المودرن» على حد وصف أحد أبطال الراوية له وهو الرجل الذى يعيش على حافة التصوف، فها هو يقول عن نفسه:
«أغبط الأولياء وأتوق إلى الكرامات ولكنى أقف عند حافة بحر التصوف متمسكاً بالعبادة قانعاً بها فى أحضان دنيا الله».
وعلى العكس من الشيخ درويش، يحيا «محتشمى» معتمداً على المعاش الذى يتقاضاه عن مدة خدمته فى وظيفة عمومية وعلى العكس من الشيخ الجنيدى، يعى «محتشمى» الظروف الاجتماعية التى تحيط به وبأسرته، فهو حزين لأن حفيده «علوان» خريج الجامعة لا يجد شقة يتزوج فيها، لذا يقول: «وكيف أستطيع تجنب هموم الدنيا ومعى حفيدى المحبوب».
ومع هذا فهو يحلم بحل هذه المشكلة الصعبة من خلال تجليات صوفية إذ يقول: «لو وهبنى الله نعمة الكرامات، لأوجدت له شقة ومهراً».
و«محتشمى» كان فى الثلاثينات من شباب الحركة الوطنية وقد فصل من عمله مدرساً بتهمة تحريض الطلبة على الإضراب وشارك فى المظاهرات وكان يحب سعد زغلول كثيراً ويغضب من مناهج التاريخ التى يدرسها حفيده والتى تدعى فشل ثورة 1919، فها هو يقول: «يتحدثون عن الثورة بلا معرفة لم يسمعوا عنها حكى لهم المؤرخ المأجور حكاية زائفة كاذبة يبدأ المدرس المغلوب على أمره درسه بالسؤال الخائن: لماذا فشلت ثورة 1919؟.. يا أبناء الأبالسة ألا توجد قطرة حياء يا زبانية المعتقلات وعباد نيرون».
كما يغضب «محتشمى» من القرارات التى اتخذها الرئيس المصرى أنور السادات فى سبتمبر 1981 التى انتهت باغتياله فى أكتوبر من العام نفسه ويقول: «ما هذا القرار أيها الرجل، تعلن ثورة فى 15 مايو 1971 ثم تصفيها فى 5 سبتمبر. تزج بالمصريين جميعاً مسلمين وأقباطاً ورجال أحزاب وفكر، لم يعد فى ميدان الحرية سوى الانتهازيين... فلكِ الرحمة يا مصر».
وهذا الصوفى الواعى سياسياً ليس نموذجاً خارجاً على الواقع، فبعض الدراسات الميدانية التى أجريت على المجتمع الصوفى أثبتت أن بعض المنخرطين فى الطرق الصوفية يتابعون وسائل الاتصال المختلفة بانتظام ومن ثم يعايشون المشكلات المطروحة على واقعنا المعيش، فالمتصوفة خرجوا من صوامعهم وتماهوا فى المجتمع وذابوا فيه، فبعضهم ينتمى إلى مؤسسات مرموقة وبعضهم يتبوأ مناصب كبيرة فى «الجهاز البيروقراطى المصرى» وبين مريدى الصوفية يوجد أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسون والصحفيون والضباط وغيرهم من فئات المجتمع التى نالها التحديث.
فشخصية محتشمى زايد تكاد تكون مثالاً للعديد من متصوفى هذه الأيام، أولئك الذين يلجأون للصوفية بحثاً عن راحة البال والطمأنينة بعد حياة مليئة بالشقاء. فزايد مر بعدة مراحل فى حياته يقول عنها: «إيمان موروث، شك، إلحاد، عقلانية، لا إرادية ثم إيمان».
وهو رغم انغماسه فى تفاصيل الحياة، مثل عشقه للطعام أو رغبته فى متابعة جسد الخادمة وهى تنظف شقته، فإنه يؤمن بأن الدنيا طريق عابر فيردد: «ما مثلى ومثل الدنيا إلا كراكب فى يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها». وهو يكره انغماسه فى الحياة بهذا الشكل ويود لو طلق الدنيا إذ يقول: «آه يا ربى متى تهبنى الشجاعة لأنبذ الدنيا وما فيها. إلى متى أحن إلى كرامات لا تتيسر؟ متى أطير فى الهواء أو أمشى فوق الماء؟ متى أشير إلى الظالم فأصعقه وأريح الدنيا من شره؟
وحكاية «محتشمى» هذه تظهر إلى حد كبير صدق الأطروحات التى يقدمها علماء الاجتماع والسياسة حول دور التصوف فى تطبيب العوز النفسى والمادى من خلال الاحتماء به من القهر والتسلط، فظاهرة التعلق بالأولياء واللجوء إليهم لجلب الخير ودفع الضرر تتنامى وسط القطاعات المقهورة من البشر، خاصة حين يعم الجهل والعجز وحيث يتعرض الإنسان لدرجات عالية من الاستلاب، فالإنسان المقهور يكون بحاجة دائماً إلى قوة تحميه تجسدت فى الأولياء، فكراماتهم التى يتداولها الناس تشكل النقيض وتقوم بتخدير قطاعات عريضة من المجتمع، فتركن إلى السكينة فى رحاب الأولياء والمشايخ وتنسى حقوقها الضائعة.