انتصار فلسطيني على دولة الاحتلال

فى كل مرة تستهدف إسرائيل صحفياً فلسطينياً فى الميدان، إنها تعلن عن عجزها أمام شجاعة المراسلين الذين يخوضون معركة الإعلام لنقل الحقيقة إلى العالم، هؤلاء الأبطال يؤكدون مقولة محمود درويش، التى جاءت فى سياق نصه المنشور فى صحيفة «الأهرام»: «ليس بوسع العدوِّ أن يقول إنه انتصر على غَزَّة، فالاحتلال ليس هو النصر النِّهائىُّ. إرادة غَزَّة باقية فى التماع الحقِّ والدم. وهى المنتصرة».

تحول الإعلام الفلسطينى فى غزة إلى جبهة مقاومة موازية، لهذا أمسى استهداف المراسلين فى غزة ممنهجاً، وتكشف أعداد الشهداء من المراسلين وأطقم العمل التليفزيونى (189 فلسطينياً)، عن الأثر المخيف للإعلام على نتنياهو وعصابته، الذين يتفاخرون بامتلاك أقوى الأسلحة وأحدثها، ثم ها هى أسلحتهم عاجزة عن حمايتهم من أثر «صوت وصورة» ينقلهما مراسل بأبسط أدواته، لم تقدر منظومة الأمن والمخابرات الإسرائيلية على حجب رسالة إعلامية يبثها صحفى مقاتل يعيش فى العراء، جائع، خائف على أسرته، يطارد الأمل مع كل خبر، وينتظر لحظة تتويج أو شهادة.

لقد وظفت إسرائيل ثلاث أدوات رئيسية فى استخدامها للإعلام كسلاح رئيسى خلال حروبها فى الشرق الأوسط، وبشكل أكثر تركيزاً فى «حرب غزة»، حيث استخدمت التعتيم والتضليل واغتيال الصحفيين، لفرض حصار معلوماتى عما ترتكبه من جرائم فى حق الشعب الفلسطينى.

ففى الشهور الأولى التالية للسابع من أكتوبر، استحوذت السردية الإسرائيلية على المجال العام الدولى، وشكلت توجّهات الرأى فى المجتمعات الغربية لفترة، لكنها كانت مدة قصيرة، استعاد بعدها الإعلام الفلسطينى قوته وتألق بكل فصائله، وناضل فى نقل جرائم الاحتلال الإسرائيلى وفضح الوحشية والبشاعة التى اتسمت بها كل عمليات جيش الاحتلال فى القطاع، وصولاً إلى حرب الإبادة والتجويع التى حوّلت مدن غزة العامرة إلى مدن للموت والخراب.

وتجدر بنا دائماً الإشادة بدور الإعلام الفلسطينى (والعربى) وتسليط الضوء على المراسلين فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، الذين لعبوا دوراً بطولياً فى محو أثر السردية الإسرائيلية، ومنافسة العدو والتفوق عليه وتحقيق انتصار كاسح فى ساحة «الميديا»، وهو ما جعل غزة عصية على الهزيمة حتى اليوم.

لقد نجح الصحفيون الفلسطينيون فى فضح جرائم الاحتلال أمام العالم وعلى الهواء مباشرة، وما زال الاحتلال يخشى الصور الكاشفة التى تُعزّز التأييد الدولى للقضية الفلسطينية.

إنّ ما تقوم به إسرائيل من تعتيم إعلامى هو جزء أصيل من استراتيجيتها الإعلامية منذ سنوات، وقد بلغ هذا التعتيم ذروته خلال الحروب الأخيرة فى الشرق الأوسط، خاصة فى العدوان المستمر على غزة وأهلها من المدنيين العزل، سعياً وراء هدف وحيد، دفعهم إلى الهجرة والهروب خارج أراضيهم.

فيما منع الاحتلال دخول المراسلين الأجانب منذ تفجّرت الأوضاع فى غزة بعد طوفان الأقصى، الذريعة التى صنعها نتنياهو أو غضّ البصر عنها، ومنح حماس المساحة لتنفيذها كى يبدأ تحقيق مخططه لتفكيك الشرق الأوسط وإعادة تركيبه، وفق أجندة المصالح الإسرائيلية وبمباركة أمريكية.

لقد تعمّدت إسرائيل التعتيم الإعلامى لإخفاء ما يجرى فى القطاع، وإيقاف التأثير الكبير الذى تُحدثه عملية نقل الصورة الحقيقية للجرائم التى تُرتكب فى غزة، لأن هذه الصور تزيد من طوفان التأييد الذى أصبحت تحظى به القضية الفلسطينية من المجتمع الدولى، وهى مسألة باتت تخشاها دولة الاحتلال، وتمثّل مشكلة خطيرة لحكومة نتنياهو التى تواجه عزلة دولية تزداد وتُحكم حصارها على الدولة المارقة.

وقد أسهم ما تم نقله من فظائع تُرتكب فى تحقيق اختراق نسبى للحصار الذى فرضته حكومة الاحتلال الإسرائيلى، فاضطرت إلى السماح بدخول محدود للمساعدات الإنسانية، كما أتاحت لبعض الدول العربية أن تُسقط بعض مساعداتها عبر الجو فى مناطق مختلفة من القطاع، حدث ذلك بفضل صمود وبطولة الصحفيين الفلسطينيين، وصمود الإعلام العربى فى هذه المعركة.

غزة تقاتل من أجل البقاء، وإعلامها يقاتل من أجل الحقيقة، صمود شعبها مقاومة، ونجاح إعلامها فى نقل الجريمة وبثها حية انتصار، تتجرّع به إسرائيل كل يوم مرارة الانكسار، هى تلهث بحثاً عن نصر زائف لا يتحقّق أبداً، فغزة لا تخلف وعدها، أو كما قال درويش: «ليس بوسع العدو أن يطمئنَّ إلى آماله، فالأمر الواقع الذى يسعى إلى خَلْقه هناك على خرافة الزمن يصطدم بسخرية الزمن، وبتفتُّت آمال الغزاة فى أزقة غَزَّة وأجساد أبنائها».