الولادة القيصرية
شهدت مصر خلال العقدين الأخيرين تحولًا دراماتيكيًا في أنماط الولادة، حيث ارتفعت معدلات الولادة القيصرية من كونها إجراءً طبيًا استثنائيًا لإنقاذ حياة الأم أو الجنين، إلى ظاهرة واسعة الانتشار تكاد تصبح القاعدة بدلًا من الاستثناء، ففي عام 2000 لم تتجاوز نسبة الولادات القيصرية 10%، بينما وصلت في عام 2021 إلى 72%، لتضع مصر في المرتبة الأولى عالميًا، بل إن بعض المحافظات سجلت نسبًا تجاوزت 85%، وهي أرقام صادمة تعكس خللًا عميقًا يحتاج إلى قراءة موضوعية ومعمقة.
الأصل في الولادة القيصرية أنها إجراء جراحي يُلجأ إليه عند الضرورة الطبية، كإنقاذ حياة الأم أو الجنين، أو وجود موانع حقيقية تحول دون الولادة الطبيعية، لكن ما نشهده اليوم لا يُفسر بالدواعي الطبية وحدها، وإنما بتركيبة معقدة من العوامل الصحية والنفسية والاجتماعية والثقافية، كثير من الحوامل يفتقدن اللياقة البدنية بسبب غياب الوعي بأهمية الرياضة البسيطة كالمشي أو اليوجا، بينما رسمت الدراما المصرية لعقود صورة مرعبة عن الولادة الطبيعية باعتبارها مشهدًا للصراخ والعذاب، متجاهلة تطور وسائل تسكين الألم الحديثة التي جعلت التجربة أكثر أمانًا وإنسانية.
يضاف إلى ذلك الميل النفسي والاجتماعي لراحة «تحديد موعد الولادة»، بما يتناسب مع جدول الأسرة أو الطبيب، بدلًا من انتظار التوقيت الطبيعي، كما يسهم غياب الدعم النفسي من الأزواج والأسر في دفع كثير من النساء لاختيار القيصرية باعتبارها الطريق الأقل قلقًا، ولا يمكن تجاهل الممارسات الغذائية الخاطئة تحت شعار «الأم تأكل لشخصين»، بما يؤدي إلى زيادة الوزن وسكر الحمل وكبر حجم الجنين، فتزداد صعوبة الولادة الطبيعية ويُرجح الأطباء القيصرية، ومع ارتفاع معدلات الحمل في سن متأخرة والاعتماد على الحقن المجهري، تزداد التعقيدات التي تجعل القيصرية الخيار الأكثر حضورًا.
إن ما يقلقني ليس فقط الارتفاع الكبير في هذه النسب، وإنما انعكاساتها المباشرة على الصحة العامة والأمن القومي فالولادة القيصرية تُثقل كاهل النظام الصحي بتكاليف جراحية مرتفعة مقارنة بالولادة الطبيعية، وتؤثر على الصحة الإنجابية المستقبلية للمرأة مع تكرارها، وتحرم الأم والطفل من فوائد الولادة الطبيعية مثل تعزيز الرضاعة الطبيعية، وتقوية الارتباط النفسي بين الأم والمولود، وتقليل المضاعفات طويلة المدى.
التجارب الدولية أثبتت أن هذه الظاهرة ليست قدرًا محتومًا، بل يمكن ضبطها بسياسات حازمة ورؤية شاملة، الحل إذن لا يكمن في إلقاء اللوم على الأطباء أو النساء وحدهم، بل في تبني رؤية متكاملة تتضافر فيها جهود الدولة والمجتمع.
إن مصر وهي تبني جمهوريتها الجديدة مطالبة بأن تعيد النظر في هذه الظاهرة، ليس فقط من أجل صحة النساء، ولكن من أجل قوة الأمة كلها، فكل ولادة ليست مجرد حدث طبي، بل قرار يمس مستقبل الوطن بأكمله، وإذا أردنا جيلًا قويًا قادرًا على التعلم والإنتاج والمنافسة، فعلينا أن نعيد الاعتبار للولادة الطبيعية كخيار أول وأساسي، وأن نعيد القيصرية إلى مكانها الصحيح: وسيلة إنقاذ عند الضرورة فقط.
هذه ليست معركة طبية فحسب، بل هي معركة وعي وقرار سياسي ومجتمعي، تبدأ من رحم كل أم مصرية، فإذا أردنا مصر أقوى وأكثر قدرة على المنافسة، فعلينا أن نصحح المسار الآن، لأن الطفل الذي يولد اليوم بطريقة أكثر أمانًا.. هو غدًا مواطن أكثر صحة، وأقدر على أن يرفع راية الوطن عاليًا بين الأمم.