حرب السفارات
لا تبدو الأحداث التى تواجه بعض السفارات المصرية فى الخارج مؤخراً أمراً عفوياً، بل هى عمل موجه ومدبر ومحكم التخطيط للوصول لعدة أهداف؛ أبرزها الضغط الإعلامى على الدولة المصرية للقبول بتمرير مخططات إقليمية ودولية غير قانونية أو شرعية، وربما يكون أبرزها تصفية القضية الفلسطينية مع تهجير الشعب الفلسطينى خارج أراضيه التاريخية، كما يعد العدوان السلبى على السيادة المصرية أيضاً أحد أخطر هذه الأهداف، فضلاً عن تشويه سمعة مصر والنيل من مكانتها ودورها التاريخى فى الدفاع عن قضايا الأمة العربية.
وكالعادة، لم تجد أجهزة الاستخبارات المعادية أداة لهذا العدوان أرخص ولا أحقر من الجماعة الإرهابية، التى لم تعد تخجل مؤخراً من الإعلان عن علاقاتها السرية مع هذه الأجهزة، إضافة إلى تعاونها الواضح مع إسرائيل فى تنفيذ هذه المخططات، وتحويل أبواقها الإعلامية التقليدية والرقمية إلى سماسرة كل هدفهم إسقاط الجيوش والدول العربية، والتسويق للخطط الغربية التى تستهدف السيطرة على موارد الدول ومقدرات الشعوب.
بالعودة لما يمكن أن يسمى بـ«حرب السفارات»، التى انطلقت بالتواتر مع انطلاق عملية «عربات جدعون 2» الهادفة إلى تهجير الفلسطينيين نحو الحدود مع مصر، يجب علينا هنا أن نتفهم أن العلاقات الدبلوماسية بين الدول تنظمها اتفاقية فيينا الموقعة عام 1961، التى تنظم العلاقات بين البعثات الدبلوماسية للدول، وتعتبر سفارات الدول بالخارج جزءاً من أراضيها وسيادتها، وتتكفل دول المقار بمنع الاعتداء عليها وتوفير جميع سبل الحماية التى تمنع العدوان عليها سواء بالشكل المباشر أو غير المباشر.
إن إخلال بعض الدول بواجباتها تجاه تأمين السفارات المصرية بالخارج، والتهاون الواضح فى حمايتها ومنع الاعتداء عليها، ما هو إلا استهداف للسيادة الوطنية المصرية، كمقدمة لاستهداف مؤسسات الدولة المصرية ووجودها بشكل صريح، وما يمثله ذلك من تهديد سافر وخروج على جميع الأعراف والقوانين الدولية المنظمة للعلاقات الدبلوماسية، ما استلزم من الدولة المصرية الدفاع عن نفسها تجاه هذه الاعتداءات، وتطبيق مبدأ «المعاملة بالمثل»، ومراجعة إجراءات التأمين والحماية لسفارات الدول التى سمحت بهذه الأعمال تجاه سفاراتنا بالخارج.
لقد فهم البعض خطأً التزام مصر بالقوانين الدولية، ولم تصلهم الرسائل الواضحة بأننا نفضل السير معاً فى طريق السلام والتنمية والأمن، وما زالوا يدبرون المؤامرة تلو الأخرى دون كلل أو ملل، وذلك بهدف الإيقاع ما بين الدولة وشعبها الأصيل، لم يفهموا بعد أن مصر الدولة فيما بعد ثورة 30 يونيو المجيدة ما هى إلا تجسيد وانعكاس صادق لرغبات وطموحات شعبها الأبى، وأن الثقة والدعم الشعبى للدولة المصرية لم يكن يوماً ما محل شك.
ورغم الدور البارز للمصريين بالخارج فى الدفاع عن السفارات المصرية، ورغم القسوة التى تعاملت بها بعض الدول معهم، فإن مصر لم تتخلَّ عن واجباتها تجاههم، وتمكنت من إطلاق سراحهم بعد ساعات من الاحتجاز، إلا أن الغريب فى الأمر كان التناقض غير المبرر ما بين القسوة والسرعة فى التعامل مع المدافعين، فى الوقت الذى يمنحون فيه المهاجمين كل الصبر والدعم والتأمين، بل وصلت الأمور فى بعض الدول للسماح بمشاركة غير المصريين فى هذه الوقفات المشبوهة!
حرب السفارات ليست حدثاً عابراً ولا تلقائياً، بل هى اعتداء واضح على السيادة والوجود المصريين، ومصر دولة وشعباً لن تسمح بالمساس بهما مهما كان الثمن، عندما يتعلق الأمر بالسيادة والوجود لا مجال للتهاون أو التكاسل نحو رد العدوان، من يقبل العدوان على سفارة يقبل العدوان على وطن، ومصر اليوم لن تكون الطرف الأضعف فى معادلة العلاقات الدولية مع أى طرف آخر!