الفراغ في الأدب والفن (2)

يظل الفراغ من القضايا التى ألهمت الشعراء، فأتى بعضهم على ذكره، وقام بتوصيفه وربطه بظواهر حياتية أخرى. فالشاعر الفلسطينى محمود درويش (1941 - 2008م) يحدثنا عن «فراغ فسيح»، ثم يعدد من المواقف والحالات والمظاهر والصور والتفاعلات بين الطبيعة والإنسان بما يصور هذا الفراغ، فتدل عليه، كما فى قصيدة له، أشياء كثيرة، مثل: الأفق المُهمَل، والزيتونة اليابسة، وغيضان الماء، والصحراء المقفرة، وجفاف العشب، وافتقاد العمل للحب، وقرب قدوم البرابرة.
وهنا يقول درويش:
«فراغ فسيح. نحاس. عصافير حنطيَّةُ
اللون. صفصافَةٌ. كَسَلٌ. أُفُقٌ مُهْمَلٌ
كالحكايا الكبيرة. أرضٌ مجعَّدةُ الوجه.
صَيْفٌ كثير التثاؤب كالكلب فى ظلِّ
زيتونةٍ يابسٍ. عَرَقٌ فى الحجارة.
شمسٌ عمودية. لا حياةَ ولا موت
حول المكان. جفافٌ كرائحة الضوء فى
القمح. لا ماءَ فى البئر والقلب.
لا حُبَّ فى عمل الحُبّ... كالواجب الوطنيّ
هو الحُبُّ. صحراءُ غير سياحيّةٍ، غير
مرئيَّةٍ خلف هذا الجفاف. جفافٌ
كحرية السجناء بتنظيف أعلامهم من
بُراز الطيور، جفافٌ كحقّ النساء
بطاعة أزواجهنَّ وهجر المضاجع. لا
عشب أَخضر، لا عشب أصفر. لا
لون فى مَرَض اللون. كُلُّ الجهات
رماديّةٌ
لا انتظار إذاً
للبرابرة القادمين إلينا
غداة احتفالاتنا بالوطنْ»!
ونظر الشاعر السورى المقيم فى باريس أحمد على سعيد إسبر، المشهور بأدونيس، إلى «الفراغ»، الذى جعله عنوان إحدى قصائد ديوانه «أوراق فى الريح»، على أنه الجدب والخراب، وبدا فى هذا أشبه بما كان عليه الشاعر الإنجليزى تى. إس. إليوت فى قصيدة «الأرض اليباب»، فالفراغ لدى أدونيس صار معضلة وجودية وتحدياً كبيراً، تهدد نفسية الشاعر، وتزلزل كيان أمته. وهو جدب لم يتجاوزه الشاعر إلى الإخصاب، إلا بالأمنيات.
وتبدأ القصيدة بمشهد كابوسى، يقول:
«حطام الفراغ على جبهتى
يمد المدى ويهيل الترابا
يغلغل فى خطواتى ظلاماً
ويمتد فى ناظرى سرابا».
ويستمر المشهد نفسه، بل يزداد ضراوة، حين ينتقل الأسى من حول الشاعر أو ما يراه فى محيطه إلى داخله هو، حيث يقول:
«حطام الفراغ يُغيب نجمى، يُجمد أرضى
ويترك بعضى كهوفاً لبعضى،
ويجعلنا كالفراغ.
حطام الفراغ».
وينطلق الشاعر من الذات إلى السياق، ومن الخاص إلى العام، فيرى أن الفراغ يحط فى كل شىء، ويكشف «خيبة أمل جيل لم يعد يحصد سوى الإخفاق، ولا يُسمع منه حتى رجع الصدى» فتظل المحنة قائمة.
«فراغٌ زمان بلادى فراغ
وتلك المقاهى
وتلك الملاهى
فراغ
وهذا الذى ذُلَّ فى أرضه وأنكرها واستكانا
ولوَّث أنهارنا ورُبانا
فراغ
وذاك الذى مَلَّ من شعبِه
ومن حبّهِ
وغمَّس باليأس أعماقهُ وأحداقهُ،
فراغٌ
وذاك الذى لا يرى غيرَهُ
ولا يجد الخير خيراً، إذا لم يكن خيرَهُ،
فراغٌ فراغ.
فراغٌ يعشِّش فيه الدمارُ
ويسكنه الفاتحون التّتارُ».