«داء الفيالقة».. «خطر صامت جديد» يهدد العالم بسبب التغيرات المناخية

كتب: محرر

«داء الفيالقة».. «خطر صامت جديد» يهدد العالم بسبب التغيرات المناخية

«داء الفيالقة».. «خطر صامت جديد» يهدد العالم بسبب التغيرات المناخية

كتبت : دينا أبو زهرة

لم تعد قضية تغيّر المناخ مجرد مادة لنقاش بيئى، أو ظاهرة طبيعية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، وذوبان الجليد، بل باتت أزمة تمسّ حياة البشر بشكل مباشر، وتكشف عن نفسها فى شكل أوبئة وأمراض جديدة أو متجددة، ومن بين هذه الأخطار الصامتة، يبرز مرض «داء الفيالقة»، أو «الليجيونيرز» (Legionnaire’s disease)، وهو التهاب رئوى بكتيرى خطير، يضرب الفئات الأضعف فى بعض المجتمعات المحلية، ولكنه بدأ يتحول تدريجياً من تهديد محلى محدود، إلى أزمة صحية عامة، تتسع رقعتها يوماً بعد يوم.

ففى أجواء الصيف الخانقة، يلجأ كثيرون إلى أجهزة التكييف التى تعمل بأقصى طاقتها لتلطيف الحرارة، بدايةً من الوحدات الصغيرة المثبتة فى النوافذ أو على جدران البنايات، أو أبراج التبريد العملاقة فى الأبراج السكنية الشاهقة فى المدن الكبرى، غير أن هذه الأجهزة التى تمنحنا البرودة والراحة، قد تتحول، من دون قصد، إلى حاضن مثالى لنوع قاتل من البكتيريا، تسبب المرض المعروف باسم «داء الفيالقة»، الذى يصيب الجهاز التنفسى.

«الليجيونيلا» بكتيريا قاتلة والفقراء الأكثر عرضة للإصابة

ووفق تقرير نشرته مجلة «وايرد»، فقد رصدت السلطات الصحية فى مدينة نيويورك، على سبيل المثال، تصاعداً كبيراً فى أعداد المصابين بمرض «داء الفيالقة» هذا العام، حيث سجلت المستشفيات أكثر من 100 حالة مؤكدة، و5 وفيات حتى الآن، وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن المرض ليس جديداً على سكان نيويورك، حيث يتم تسجيل عدد من الإصابات مع كل صيف، إلا أن الأمر المثير للقلق أن ممارسات التكيف مع عوامل تغير المناخ بدأت تدفع المرض إلى تجاوز نطاقه المعتاد، بل وتمنحه قدرة أكبر على الانتشار والانتقال إلى مناطق أخرى من العالم، لم تعهد التعامل معه من قبل.

وأضافت الصحيفة، فى تقريرها، أن ما كان يُعتبر مرضاً «محلياً» فى الماضى، أصبح الآن تهديداً إقليمياً، مشيرةً إلى تسجيل إصابات متزايدة فى ولايات الشمال الشرقى والغرب الأوسط الأمريكى، خلال السنوات الأخيرة، حيث تلتقى درجات الحرارة المرتفعة مع شبكات مياه وبنى تحتية قديمة ومتهالكة، ففى مدينة «ديربورن» بولاية «ميتشيجان»، على سبيل المثال، عثرت السلطات الصحية على آثار بكتيريا «الليجيونيلا» فى شبكة المياه الخاصة بإحدى دور رعاية المسنين، كما أبلغت ولايات أخرى، مثل «أوهايو، وبنسلفانيا، وإلينوى، وويسكونسن»، عن تفشيات متكررة للمرض.

تنتقل عدوى «داء الفيالقة» عند استنشاق رذاذ بخار يحتوى على البكتيريا، سواء من أجهزة التبريد، أو من شبكات المياه، وتظهر الأعراض عادةً خلال أيام قليلة، وتشمل الحمى والصداع وضيق التنفس والسعال، وتكمن خطورة المرض فى قدرته على التطور سريعاً إلى «التهاب رئوى حاد»، مع معدل وفيات يصل إلى 10%، وبينما تكون الأعراض خفيفة نسبياً للمصابين من الأشخاص الأصحاء، فإن الخطر الأكبر يكون على «الأطفال، وكبار السن، والنساء الحوامل، والمصابين بأمراض مزمنة، أو أصحاب المناعة الضعيفة»، وتشير تقديرات الوكالات الصحية إلى أن «داء الفيالقة» يحصد أرواح نحو 5000 شخص سنوياً فى الولايات المتحدة وحدها.

يعود تاريخ اكتشاف هذا المرض إلى عام 1976، حين أصيب عشرات المشاركين فى مؤتمر «الفيلق الأمريكى» بفيلادلفيا، بحالات التهاب رئوى غامضة، وبعد تحريات طويلة، توصل علماء «مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» (CDC)، إلى أن السبب يكمن فى بكتيريا جديدة، لم تكن معروفة وقتها، وأطلق عليها اسم «الليجيونيلا»، ومنذ ذلك الحين، بات «داء الفيالقة» مرضاً معروفاً، لكنه ما زال يتحدى أنظمة الصحة العامة.

وتوجد هذه البكتيريا بشكل طبيعى فى الأنهار والجداول والبحيرات، وحتى أنابيب المياه، لكن المشكلة تبدأ حين تتوافر لها بيئة مناسبة للتكاثر بكثافة، كما يحدث فى خزانات وأبراج التبريد، فغالباً ما تحتوى هذه الخزانات على مياه راكدة دافئة، توفر بيئة مثالية للبكتيريا، ومع تشغيل نظام التبريد، يتناثر الرذاذ الملوث فى الهواء، ليدخل مباشرة إلى رئة السكان، ووفقاً لوكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA)، فإن نحو 80% من الإصابات بـ«داء الفيالقة» ترتبط بشبكات مياه الشرب.

فصل الصيف يعتبر موسم الذروة لانتشار «داء الفيالقة»

وأشارت مجلة «وايرد»، فى تقريرها، إلى أن فصل الصيف يعتبر موسم الذروة لانتشار «داء الفيالقة»، لكن التغيرات المناخية جعلت الأمر أكثر خطورة، فمع ارتفاع الحرارة، وتزايد الرطوبة، وتدهور جودة المياه الطبيعية، تتضاعف قدرة البكتيريا على التكاثر، فهى تزدهر فى المياه الحمضية قليلة الأكسجين، وتستفيد من كل موجة حر أو فيضان، لإيجاد موطئ قدم جديد لها.

ولفت التقرير إلى أن دراسات سابقة، بعضها صدر قبل 10 سنوات، حذرت من أن زيادة الاعتماد على أجهزة التكييف الضخمة، فى ظل تفاقم التغيرات المناخية، قد تؤدى إلى تزايد حالات الإصابة بـ«داء الفيالقة»، وفى عام 2022، أصدر «مرصد المناخ والصحة الأوروبى» تقريراً أكد أن ارتفاع الحرارة، وتزايد الأمطار، سيجعل من مرض «داء الفيالقة» تهديداً أكثر شيوعاً فى المستقبل القريب.

اللافت أيضاً فى تقرير الصحيفة الأمريكية أنه ليست كل الفئات معرضة لخطر الإصابة بالمرض بالقدر نفسه، حيث أشارت تقارير إلى أن الفقراء هم الأكثر عرضة للإصابة، لأنهم غالباً ما يعيشون فى مساكن قديمة، ذات أنظمة تبريد متهالكة وصيانة رديئة، ووفق تقرير سابق لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن هذه الأبنية المهملة توفر للبكتيريا بيئة مثالية للنمو والانتشار، فيما يعجز سكانها عن تحمل تكاليف الصيانة، أو الانتقال إلى أماكن أكثر أماناً.

ورغم أن مدينة نيويورك فرضت، بعد تفشٍ كبير للمرض فى عام 2015، إجراءات صارمة لفحص أبراج التبريد، فإن الأرقام الأخيرة تكشف عن تراجع واضح فى الرقابة، ففى النصف الأول من عام 2025، جرى تفتيش نحو 1200 برج فقط، مقارنةً بنحو 5000 برج خلال الفترة نفسها من عام 2017، واعتبرت «وايرد» أن هذا التراجع يعزز المخاوف من تفشٍ أكبر للمرض فى المستقبل القريب.

وفيما يتعلق بما يمكن فعله لمواجهة هذا الخطر، شدد خبراء الصحة العامة على أن مواجهة «داء الفيالقة» ليست مهمة فردية، بقدر ما هى تحدٍ جماعى، يتطلب تعاون السلطات والسكان على حد سواء، ومع ذلك، هناك بعض الخطوات الوقائية، التى يمكن أن تخفف من المخاطر، تتمثل فى متابعة التحذيرات الصحية الرسمية، فى حال رصد إصابات أو بكتيريا فى المنطقة، واستخدام مرشحات مياه عالية الجودة، خلال فترات تفشى المرض، إضافة إلى الحرص على تنظيف أجهزة التبريد المنزلية، التى تعتمد على المياه، بشكل مستمر، وينصح الخبراء باستخدام مياه مفلترة.

وأضاف التقرير أنه فى حالة ظهور أعراض مرضية، مثل الحمى أو ضيق التنفس أو السعال، يتعين التوجه فوراً إلى الطبيب المختص، لإجراء الفحوص اللازمة، إلا أن النصيحة الأهم تتمثل فى إصلاح أنظمة المياه العامة، وصيانتها بشكل دورى، حيث يمكن لبكتيريا «الليجيونيلا» التكاثر فى هذه الأنظمة، وتنتشر عبر الهواء، وفى هذه الحالة، يصبح أى شخص، بغض النظر عن احتياطاته الفردية، معرضاً للإصابة بالمرض.

واختتمت الصحيفة تقريرها بالقول إن «داء الفيالقة» ليس مجرد مرض معدٍ، بل هو «مرآة لعصر التغيرات المناخية»، وما يحمله من تهديدات غير متوقعة، وحذرت من أن تجاهل صيانة أنظمة المياه والتبريد، وتراجع الرقابة الصحية، مع ازدياد موجات الحر والفيضانات، كلها عوامل تجعل من هذا المرض نموذجاً لما قد يواجهه العالم من أزمات صحية متصاعدة، وإذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة وصارمة، فقد نرى تفشيات أكبر وأوسع نطاقاً فى السنوات المقبلة، واعتبرت أن المعادلة واضحة، فكلما ارتفعت حرارة الكوكب، ارتفعت معها فرص انتشار بكتيريا «الليجيونيلا»، وكلما استمرت الفوارق الاجتماعية، دفع الفقراء الثمن الأغلى.


مواضيع متعلقة