محمود الجارحي يكتب: أطفال دلجا ضحايا السم.. مأساة عائلية تتحول إلى أبشع جرائم الغدر بالمنيا
محمود الجارحي يكتب: أطفال دلجا ضحايا السم.. مأساة عائلية تتحول إلى أبشع جرائم الغدر بالمنيا
في واحدة من أبشع الجرائم التي هزّت محافظة المنيا، تحوّل بيت يسكنه أطفال أبرياء إلى مسرح لمأساة قاسية.. بعدما خططت زوجة الأب الثانية لجريمة غدر أنهت حياة ستة أطفال ووالدهم.. وكادت أن تقتل والدتهم الأولى.. داخل منزلهم بقرية دلجا بمركز دير مواس التابع لمحافظة المنيا.
في منتصف شهر فبراير الماضي.. القصة بدأت عندما أعاد الزوج زوجته الأولى إلى عصمته.. وكانت الغيرة تأكل في قلب الزوجة الثانية.. حتى تمكنت من تنفيذ جريمتها المروعة.. هكذا جاء في تحقيقات النيابة العامة وتحريات المباحث عن دوافع ارتكاب المتهمة لتلك المذبحة.. وكانت بداية المشهد الأول للجريمة صباح 12 يوليو الشهر الماضي.. لم يكن عاديًا.. كان هناك 4 سيارات إسعاف دخلت القرية مسرعة.. تحمل أجسادًا صغيرة ترتجف من القيء والتشنجات.. نُقل الأطفال إلى مستشفى دير مواس.. وحاول الأطباء إنقاذهم الا أن اثنين منهما فارقا الحياة.. وبعد ساعات قليلة.. لحق بهما آخران.. آنذاك جاء في ذهن سكان القرية، أن وباءً غامضًا ضرب القرية.. وترددت التساؤلات في دلجا: ماذا يحدث هنا؟.. تمسّك أهالي القرية في ذلك الوقت بأمل أخير.. فنُقلت الطفلتان رحمة وفرحة إلى مستشفى السموم بالمنيا.. الجميع كان يترقّب خبر النجاة.. لكن السم لم يترك فرصة للمعجزات.. رحلت رحمة أولًا، ثم لحقت بها فرحة بعد أيام قليلة.. وفي كل مرة فُتحت فيها المقبرة العائلية لاستقبال نعش جديد.. كان الأهالي يرددون: اللهم سلّم.. لكن الموت لم تسلم القرية من قبضته.
وبعد أيام قليلة ولم يكد سكان قرية دلجا يفيقون من صدمة رحيل الصغار.. حتى أصيب الأب ناصر محمد بالأعراض نفسها.. نُقل إلى مستشفى أسيوط الجامعي، لكن السم الذي خطف أبناءه كان قد أحكم قبضته عليه أيضًا، رحل ناصر، ودُفن إلى جوار أطفاله الستة، لتكتمل مأساة دلجا بسبع جنازات خلال 15 يوما في القرية.
بعد مرور عدة أسابيع، كشفت أجهزة الأمن بوزارة الداخلية تفاصيل تلك الجريمة المروعة، وألقي القبض على المتهمة، وتمت إحالتها للنيابة العامة، ومثلت للتحقيق، وكشفت النيابة العامة، أن المتهمة حصلت على مبيد حشري سام من نوع الكلورفينابير، ولكي تتحقق من فاعليته.. أعدت قطعة خبز وخلطتها بالمبيد ثم قدّمتها إلى أحد الأطفال الصغار داخل مسكنها.. سرعان ما ظهرت على الطفل أعراض التسمم وتدهورت حالته الصحية، وهنا أيقنت المتهمة أن السم يؤدي الغرض القاتل.
وجاء في التحقيقات أن المتهمة بعد 4 أيام فقط، نفذت خطتها الكبرى.. أعدّت عددًا من الأرغفة وخلطتها بالسم ذاته، ثم أرسلتها مع أحد الأطفال إلى بيت الضحايا.. لم يشك أحد في الخبز ولكن المأساة.. سقط الأطفال تباعًا، والتحق بهم الأب الذي تناول من الأرغفة ذاتها.. وحدها الزوجة الأولى نجت بأعجوبة بعدما أحجمت عن الأكل.
التحقيقات لم تترك مجالًا للشك.. فقد رصدت كاميرات المراقبة اثنين من الأطفال في أثناء عودتهما من بيت المتهمة حاملين الخبز المسموم.. كما أثبتت معاينة النيابة رفقة خبراء الطب الشرعي وجود آثار المبيد في بقايا الخبز وأدوات الطهي.. تقارير الصفة التشريحية أكدت أن الوفاة نجمت عن انهيار التنظيم الحراري للجسم وفشل الأجهزة الحيوية بسبب المادة السامة.
أمام هذا الكم من الأدلة.. لم تجد المتهمة مفرًا من الاعتراف.. أقرت بتفاصيل جريمتها خلال استجوابها، بل أجرت محاكاة تصويرية لكيفية ارتكاب الواقعة، مطابقة لما أسفرت عنه التحقيقات.
وفي ختام التحقيقات، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمة إلى محكمة الجنايات المختصة محبوسةً محاكمةً عاجلة، لاتهامها بارتكاب جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار بحق ستة أطفال ووالدهم، والشروع في قتل الزوجة الأولى.. لتبقى الجريمة شاهدًا على أبشع صور الانتقام التي سُجِّلت في تاريخ المنيا.