السياسات النقدية تخفف الضغط على «الأخضر».. وتحويلات المصريين بالخارج تصل إلى 26.4 مليار دولار
السياسات النقدية تخفف الضغط على «الأخضر».. وتحويلات المصريين بالخارج تصل إلى 26.4 مليار دولار
حصار التضخم وتحسُّن الاقتصاد الوطنى كان له أثر بارز فى تخفيف الضغط على العملة الصعبة، إذ أدى قرار تحرير سعر الصرف إلى إنجاز نظام مصرفى مرن شهد فيه الجنيه تحسناً نسبياً، إذ استقر كسعر رسمى أمام الدولار عند 48.4 جنيه بعد أن كان أعلى فى الأشهر الماضية عند 50 جنيهاً. وأجرى البنك المركزى تخفيضاً على الفائدة، كان آخره ما قررته لجنة السياسة النقدية فى اجتماعهـا يوم الخميس 28 أغسطس الماضى، بخفض سعرَى عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزى 200 نقطة أساس إلى 22.00% و23.00% و22.50%، على الترتيب، وقررت خفض سعر الائتمان والخصم بواقع 200 نقطة أساس، ليصل إلى 22.50%، حيث جاء ذلك انعكاساً لتقييم اللجنة لآخر تطورات التضخم وتوقعاته منذ اجتماعها السابق.
فى الوقت نفسه، أظهرت المؤشرات العالمية ضعف الدولار بشكل كبير، خصوصاً بعد أن انخفض مؤشر (DXY) بنحو 10% فى النصف الأول من العام الجارى، ويُعد أكبر انخفاض نصف سنوى منذ عقود، مع زيادة توقعات الأسواق وخفض الفائدة الأمريكية وتزايد عمليات التحوط ضد الدولار، ما أدى لارتفاع شهية المخاطرة لدى البنوك الكبرى مثل «مورجان ستانلى» الذى توقع، فى أحدث بيان له، استمرار التراجع خلال العام المقبل حال مُضى الفيدرالى فى حالة التيسير النقدى.
وجاء تراجع الدولار عالمياً بالتزامن مع تحول جذرى فى إدارة سوق الصرف، بعد أن قرر البنك المركزى المصرى توحيد سعر الصرف، ويؤكد صندوق النقد الدولى أن «الفجوة بين السعر الرسمى والسوق الموازية أُغلقت»، والتعاملات بين البنوك باتت أكثر نشاطاً، كما جرى معالجة جزء كبير من الطلبات المتأخرة على الاستيراد، مع استقرار السوق الرسمية عند مستويات أقل من ذروة أبريل الماضى، ما منح قدراً من الثقة للمستثمرين والمواطنين على السواء.
ورغم تأثير حركة الدولار عالمياً، فإن قدرة مصر على الاستفادة من تلك التطورات تعتمد على متانة مصادرها من النقد الأجنبى، إذ سجلت تحويلات العاملين بالخارج، وفقاً للبنك المركزى المصرى، قفزة تاريخية بعد تحديد سعر صرف مرن للجنيه، كما أعلن البنك المركزى ارتفاعاً بنسبة 72% على أساس سنوى، مسجلاً 26.4 مليار دولار خلال أول 9 أشهر من السنة المالية 2024 - 2025، بزيادة 86.6%، وتُعد تلك التحويلات أكبر مصدر مستدام للعملة الأجنبية.
بدوره، أكد حسن عبدالله، محافظ البنك المركزى، فى بيانات رسمية صادرة عن البنك، أن مصر تتبع سياسة سعر صرف مرنة، بعد أن سمحت فى أوائل مارس من العام الماضى للجنيه بوضع صرف حر، مسجلاً 50 جنيهاً مقابل الدولار، فى محاولة لوقف أزمة استمرت عامين، كما قررت الحكومة اعتماد سعر صرف مرن للجنيه مقابل العملات الأجنبية استناداً لآلية العرض والطلب فى السوق. ولفت «عبدالله» إلى أن وضع الاقتصاد الكلى فى مصر تحسن كثيراً عما مضى، ويشهد استقراراً، حيث إن القطاع المصرفى يتمتع بسيولة كافية تضمن تقديم منتجات مصرفية تيسر حركة الاستثمارات، وأن مصر تتبع حالياً سياسة سعر صرف أقرب لما هو معمول به فى الجنيه الإسترلينى واليورو، فى إطار توجُّه يستهدف تعزيز المرونة والانفتاح على الأسواق العالمية، حيث إن عهد تحرك سعر الدولار بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20% قد انتهى، كما أن التغيرات المستقبلية ستكون محدودة، ولا تتجاوز من 1 إلى 3% صعوداً أو هبوطاً، وفقاً لسياسات العرض والطلب. فى سياق متصل، أكد أحمد كجوك، وزير المالية، أن مصر نجحت فى تحقيق فائض أوَّلى قدره 629 مليار جنيه، أى 3.6% من الناتج المحلى الإجمالى، وهو ما يزيد عن المستهدف البالغ 3.5%، مشيراً إلى أن هذا الإنجاز يعكس التحسن فى كفاءة الإنفاق العام والتخطيط المالى، مضيفاً أن هذا الفائض تحقق بفضل التسهيلات والإيرادات وتحسن ثقة المستثمرين والممولين، ما مكَّن الدولة من الحفاظ على التزاماتها وتحقيق نمو مستدام.
وأشار وزير المالية إلى أن دَيْن أجهزة الموازنة العامة للناتج المحلى سجَّل تراجعاً كبيراً خلال عامين، وأوضح: «فى يونيو 2023: بلغ الدَّيْن 96% من الناتج المحلى، وفى العام الماضى انخفض إلى أقل من 90%، وفى العام الحالى: كسرنا حاجز 85.5%»، مؤكداً أن هذا التراجع «قوى ومؤثر»، ويعكس الجدية الكاملة التى تتعامل بها الحكومة مع ملف الدين العام، كما أوضح أن الحكومة خفضت دَين أجهزة الموازنة الخارجية بقيمة 4 مليارات دولار خلال عامين، بينها مليار دولار خلال العام الماضى فقط، قائلاً: «سدَّدنا أكثر مما اقترضنا، وهو مؤشر على التزامنا بإدارة الدَّيْن بشكل مسئول».
لم يكن قرار البنك المركزى وليد اللحظة، بل سبقته متابعة الوضع الاقتصادى عالمياً، والذى شهد فى الآونة الأخيرة بوادر تعافٍ فى النمو واستقراراً فى توقعات التضخم، وواصلت البنوك المركزية فى كل من الاقتصادات المتقدمة والناشئة تيسير سياساتها النقدية، فى ظل حالة عدم اليقين الحالية، ففيما يتعلق بالأسعار العالمية للسلع الأساسية، شهد النفط تقلبات طفيفة نتيجة عوامل العرض، فيما سجلت أسعار السلع الزراعية اتجاهات متباينة، ومع ذلك فلا يزال النمو والتضخم العالمى عُرضة للمخاطر، لا سيما احتمالية تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد اضطرابات السياسات التجارية.
ومحلياً، أشارت التقديرات الأولية للبنك المركزى المصرى إلى تحقيق معدل نمو اقتصادى أعلى خلال الربع الثانى من عام 2025 بالمقارنة بالتوقعات السابقة، مدفوعاً بالمساهمات الموجبة من قطاعات الصناعات التحويلية غير البترولية والسياحة، حتى أشارت توقعات «المركزى» لتوسع النشاط الاقتصادى بمعدل 5.4% فى الربع الثانى للعام الجارى، مسجلاً فى العام المالى 2024- 2025 معدل نمو حقيقياً قدره 4.5% فى المتوسط مقارنة بمعدل 2.4% فى العام المالى 2023- 2024، خاصة مع تراجُع معدل البطالة إلى 6.1% فى الربع الثانى من عام 2025 مقابل 6.3% فى الربع الأول من عام 2025.
وأكد حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، أن ملامح السياسة النقدية المصرية الحالية واضحة للغاية، وتُراعى المعايير الدولية المتعارف عليها، ذلك لأن إحدى أهم ركائز السياسة استهداف معدلات التضخم، ما يلقى اهتماماً كبيراً من المستثمرين المحليين والأجانب، باعتباره مؤشراً رئيسياً على استقرار بيئة الاستثمار. ولفت وزير الاستثمار إلى أن سعر الصرف فى السوق يشهد تحركات تتجه من الأعلى للأدنى، ما يعكس تفاعله مع المعطيات الاقتصادية الحقيقية، مشيراً إلى أن الدولة تعتمد سعر صرف مرناً ضمن إطار السياسة النقدية الحديثة، لافتاً إلى أن العوائد الدولارية الناتجة عن السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، والصادرات المصرية، تشهد نمواً ملحوظاً، واصفاً هذه التطورات بأنها «مؤشرات إيجابية» تؤكد سلامة المسار الاقتصادى الحالى، وهو ما تدعمه الدولة كتوجه نقدى، وأن الاستقرار المالى والنقدى يأتى فى مقدمة أولويات الحكومة من أجل تعزيز الثقة وتحقيق معدلات نمو مستدامة.