إذا ما تأكد استشهاد أبوعبيدة، الناطق الرسمى باسم كتائب عزالدين القسام الجناح العسكرى لحركة حماس، فإن ذلك يعد خسارة معنوية كبيرة للمقاومة الفلسطينية خاصة كتائب القسام نظراً لدوره المؤثر كمتحدث رسمى ورمز إعلامى بارز منذ عام 2006، لكن تأثيره على سير عمليات المقاومة فى غزة لن يكون كبيراً، خاصة أن العديد من قادة الحركة سواء العسكريين أو السياسيين قد استشهدوا منذ بداية الحرب ولم تتأثر عمليات المقاومة، بل ازدادت حدة وكثافة وكانت أكثر تنظيماً وتطوراً فى ساحة المعركة باعتراف جيش الاحتلال الإسرائيلى نفسه، وعلى الرغم من أن إسرائيل تسعى من خلال استهداف القيادات إلى إضعاف الروح المعنوية وإظهار قدرتها الاستخبارية، فإن التباهى المفرط من قبل وزير الجيش الإسرائيلى يسرائيل كاتس ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بنجاح استهدافه هو تعبير عن إفلاس سياسى، لأن المقاومة الفلسطينية تاريخياً أظهرت قدرة على امتصاص هذه الصدمات عبر استبدال قادتها بسرعة، فكتائب القسام تعتمد هيكلية لا مركزية، حيث يتم توزيع المهام عبر قادة ميدانيين ومجالس عسكرية، وإذا ما قارنّا ما حدث باستشهاد قادة كبار سابقين مثل أحمد الجعبرى عام 2012 أو مروان عيسى عام 2024 نجد أن العمليات لم تتوقف، بل زاد تصميم المقاومة وازدادت وتيرة عملياتها ضد جنود الاحتلال الإسرائيلى.
منذ تألق صيت وأسماء لقيادات سياسية أو عسكرية فى حركة حماس وتم اغتيالها، فقد أظهرت الحركة وجناحها العسكرى مرونة كبيرة فى مواجهة الخسائر القيادية، كما أظهرت صموداً تاريخياً لم يؤثر على عزيمتها القتالية، واستشهاد قادة كبار سابقاً لم يوقفها أو يردعها، بل زاد من تصميمها، فبعد استشهاد يحيى عياش عام 1996 أو صلاح شحادة عام 2002، ردت المقاومة بعمليات نوعية أقوى، ومن المرجح أن تستغل حماس نفس الأسلوب بعد التأكد من استشهاد أبوعبيدة وتصعّد من العمليات العسكرية، خاصة فى ظل الغضب الشعبى من الغارة التى أدت إلى استشهاد أكثر من 40 مدنياً من بينهم عائلة «أبوعبيدة».
وعلى الرغم من أن سياسة الاغتيالات الإسرائيلية ضد قادة المقاومة الفلسطينية هى جزء من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تفكيك البنية القيادية لحماس والفصائل الأخرى، لكن نجاح هذه السياسة لم توقف المقاومة أبداً، بل زادت من شرعيتها وقدرتها التنظيمية والعسكرية. سياسة الاغتيالات أثبتت فشلها فهى ليست استراتيجية لإنهاء الصراع، بل توفر ميزة مؤقتة فقط دون تأثير طويل الأمد، وفى الحرب الحالية، استطاعت إسرائيل وبمساعدة أجهزة استخبارات دول أوروبية مثل بريطانيا وألمانيا اغتيال قادة بارزين مثل إسماعيل هنية فى طهران فى شهر يوليو 2024 ومحمد الضيف وغيرهما، إلا أن حماس أعادت تنظيم نفسها بسرعة، وهذا يعكس الهيكلية اللامركزية التى تنتهجها حماس، فتجعل الاغتيال غير فعال فى الإضعاف الجذرى للحركة. ربما الاغتيالات للقيادات العسكرية تقضى على خبرات قيادية، لكنها لا توقف العمليات، وقد حافظت حماس على قدراتها بشكل واضح طوال الحرب من خلال عمليات إطلاق الصواريخ والكمائن ضد الجيش الإسرائيلى ونشرها مقاطع فيديو توثق هذه العمليات صوتاً وصورة، كما أن جيش الاحتلال الإسرائيلى اعترف أكثر من مرة بصعوبة القضاء على حماس مع تصاعد وتيرة الاشتباكات من المسافة صفر ونصب الكمائن للجنود. فى النهاية فإن سياسة الاغتيال لا تضعف المقاومة، بل تعزز من صمودها، وسياق التاريخ أظهر أن الاغتيالات تزيد من التصميم والقدرة على التجنيد خاصة فى سياق احتلال طويل، وأن هذه الاستراتيجية تثبت فشل إسرائيل فى القضاء على المقاومة كفكرة، لأن الفكرة لا تموت بموت أصحابها، وإذا ما استمرت سياسة الاغتيالات فإنها ستؤدى إلى تصعيد أكبر وفشل استراتيجى لإسرائيل، مثل ما هى مكافأة لا هزيمة للمقاومة.