من «البوصيري» إلى «التهامي».. روحانيات في حب «الصادق الأمين»
من «البوصيري» إلى «التهامي».. روحانيات في حب «الصادق الأمين»
تزخر مصر بالشعراء والمداحين الذين أنشدوا ونظموا قصائد مميزة ورنانة، يشدو بها المداحون والشعراء لتمتِّع الآذان، وتكون شاهدة على المحبة التى يكنها المصريون لخير الخلق أجمعين، وروعة ونقاء فن الإنشاد الدينى، حيث تتربع «البردة» على عرش قصائد المديح، للإمام شرف الدين البوصيرى، فى القرن السابع الهجرى، والتى نظمها برؤية صوفية، وعاطفة مشبوبة، وأسلوب شعرى فخم، فيقول فى قصيدته الشهيرة «مولاى صلّ وسلم دائماً أبداً.. على حبيبك خير الخلق كلهمِ»، فجابت القصيدة الآفاق، وارتفعت بها المجالس والمحافل، وتُرجمت إلى لغات شتى.
وفى العصر الحديث، يأتى أمير الشعراء أحمد شوقى، ليكتب رائعته «نهج البردة»، محاكياً البوصيرى، ولكن بلغته الكلاسيكية العصرية، وبحس وطنى وروحى عميق: «وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ.. وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ»، وتزخر مصر بالعديد من الأصوات، التى تشدو بالأناشيد والابتهالات والتواشيح الدينية، على رأسهم الشيخ سيد النقشبندى، صاحب أيقونة «مولاى»، والشيخ نصر الدين طوبار، صاحب «جل المنادى» الابتهال الشهير الذى استقى أذن العاشقين بسحر كلماته وروعة صوته.
وكذلك هناك «مداح النبى»، محمد الكحلاوى، المنشد الذى أبكى القلوب، والشيخ أحمد التونى، شيخ المنشدين، وسلطان المداحين، وهو أشهر وأكبر منشدى صعيد مصر، والذى يطلق عليه لقب «ساقى الأرواح»، استطاع بأدائه المتميز الخروج بالغناء الصوفى من المحلية إلى العالمية، إذ يتم دعوته للمشاركة فى العديد من المهرجانات الموسيقية الروحية، كذلك هناك عميد الإنشاد الدينى فى العالم، الشيخ ياسين التهامى، «سلطان العاشقين»، وكبير وعميد المداحين فى حب خاتم المرسلين النبى العربى الأمين، كما تتضمن القائمة أستاذ المقامات الشيخ طه الفشنى، وقطب الجنوب الشيخ أحمد برين، كذلك «ريحانة المنشدين»، الشيخ أمين الدشناوى.
وفى هذا الإطار، أكد الدكتور علاء جانب، أستاذ الأدب وعميد كلية اللغة العربية بالقاهرة، الحاصل على لقب «أمير الشعراء» دولياً لـ«الوطن»: «إن ميلاد النبى، صلى الله عليه وسلم، لم يكن حدثاً اعتيادياً، فليس كل يوم يشهد الكون ميلاد طفل تتواكب مع قدومه احتفالات المخلوقات، كما احتفلت بميلاد النبى عليه الصلاة والسلام، كل بطريقته، فقد احتفلت بحيرة ساوى عندما غاضت، ونار المجوس انطفأت، والفيل ثار ضد من أراد هدم الكعبة، والطير الأبابيل حمت البيت الحرام، كما أن الطفل النبى ولد ساجداً مشيراً بعلامة التوحيد، وتراه أمه نوراً أضاء قصور الشام، وترافقه سحابة لا تفارقه، وكأن الكون كله يسير فى ظل قدميه الشريفين، لا شك أن ذلك الطفل له شأن، ففى وجهه الشريف نورٌ يأخذ بالألباب، ويشرح الصدر ويبهج الضمير».
واختتم «جانب» تصريحاته قائلاً فى مدح النبى: «يا سيدى، نبت الكلام على يدىّ، واخضر ذكر الله فى جنبيّا، لما كتبتُ محمداً تنفّستْ، رئةُ الكلام الحب من رئتيّا، ونظرتُ ما كتبت رؤاى، فلم يزل، يبكى الحنين إليك فى عينيّا، إنّا بجاهك نستجير ونحتمى، حَميس الوطيس على الورى وعليّا، إنى مددت يدى، وحاشا سيدى، أنى أعود وقد رُدَّت يديّا».
من جانبه، قال مصطفى زايد، الباحث الصوفى: «مصر دولة الإنشاد الدينى، بدأت مع ابتهالات الكهنة فى المعابد القديمة، عبروا بالترانيم والأناشيد والصلوات، فالإنشاد دولة بدأت قبل قرون بعيدة، وتشكلت دعائمها من الحناجر والأرواح الهائمة، حتى أصبح لها حكامها وشعبها وساحاتها ومؤسساتها، وعمادها الذى يقوم على المحبة والأصوات الجميلة، واستقرارها الذى يؤسسه القبول الشعبى والتوحد مع تلك الأجواء الروحانية».
وأكد «زايد» أن الشعراء المصريين لم يتركوا مناسبة حتى مدحوا فى سيد الخلق وخاتم المرسلين، وأنشدوا قصائد العشق الروحى، فكان أمراء المديح فى العالم الإسلامى، خاصة بين المتصوفين، هدفهم أن تصل رسالة المحبة إلى كل القلوب والأذهان العامرة بالإيمان، والتخلق بأخلاقه حيث مكارم الأخلاق.
وأضاف: «مدح النبى يظل قاسماً مشتركاً فى كل الاحتفالات والمناسبات الدينية، حيث التواشيح والمدائح والسماح وطلب المدد والوصل، فلا يتوقف ذلك على المناسبات الصوفية وموالد الأولياء فقط، وإنما يحضر كطقس دائم فى حياة المصريين، بدءاً من ابتهالات الفجر فى مطلع كل يوم، مروراً بالأفراح والليالى والمناسبات الاجتماعية»، مشيراً إلى أن الإذاعة المصرية تزخر بالعديد من التسجيلات، التى تحمل مساحة كبيرة من الروحانية والجمال.